الهدايا لشيعة ائمّة الهدي - مجذوب التبریزي، شرف الدین محمد - الصفحة ١٤٦
الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ» [١] ، والاستثناء على هذا في قوله تعالى في سورة الجنّ: «عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدا * إِلَا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ» [٢] متّصل. و«لا يعلم الغيب إلّا اللّه »، بمعنى لا يعلم الغيب بدون توقيف إلّا اللّه . والمراد ب «السرّ»: الكلام المنزّل منه تعالى إلى أنبيائه ورسله، وهو المستور عن غير المنزل عليه عند نزوله. وبيان ذلك أنّ مضمون الكلام الإلهي الذي هو من أسراره قسمان: ما هو الغيب، مثل «وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ» [٣] ؛ وما ليس هو بالغيب، مثل: «سَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ» [٤] . والغيب أيضا قسمان: ما في متشابهات الكتاب؛ وما في المحكمات. «إماما بيّنا» بكسر الهمزة. «وأماما قيّما» بفتحها، بمعنى سيّد القوم ومقدّمهم. «حجج اللّه »، بتقدير: «هُمْ حجج اللّه ».
قال ثقة الإسلام طاب ثراه:
أَمَّا بَعْدُ ، فَقَد فَهِمْتُ يَا أَخِي مَا شَكَوْتَ مِنِ اصْطِلَاحِ أَهْلِ دَهْرِنَا عَلَى الْجَهَالَةِ ، وَتَوَازُرِهِمْ وَسَعْيِهِمْ فِي عِمَارَةِ طُرُقِهَا ، وَمُبَايَنَتِهِمُ الْعِلْمَ وَأَهْلَهُ ، حَتّى كَادَ الْعِلْمُ مَعَهُمْ أَنْ يَأْرِزَ كُلُّهُ ، وَتَنْقَطِعَ مَوَادُّهُ ؛ لِمَا قَدْ رَضُوا أَنْ يَسْتَنِدُوا إِلَى الْجَهْلِ ، وَيُضَيِّعُوا الْعِلْمَ وَأَهْلَهُ . وَسَأَلْتَ : هَلْ يَسَعُ النَّاسَ الْمُقَامُ عَلَى الْجَهَالَةِ ، وَالتَّدَيُّنُ بِغَيْرِ عِلْمٍ ، إذْ كَانُوا دَاخِلِينَ فِي الدِّينِ ، مُقِرِّينَ بِجَمِيعِ أُمُورِهِ عَلى جِهَةِ الْاسْتِحْسَانِ وَالنُّشُوءِ [٥] عَلَيْهِ ، والتَّقْلِيدِ لِلْابَاءِ وَالْأَسْلَافِ وَالْكُبَرَاءِ ، وَالْاتِّكَالِ عَلَى عُقُولِهِمْ فِي دَقِيقِ الْأَشْيَاءِ وَجَلِيلِهَا ؟ فَاعْلَمْ يَا أَخِي ـ رَحِمَكَ اللّه ُ ـ أَنَّ اللّه َ ـ تَبَارَكَ وَتَعَالى ـ خَلَقَ عِبَادَهُ خِلْقَةً مُنْفَصِلَةً مِنَ الْبَهَائِمِ فِي الْفِطَنِ وَالْعُقُولِ الْمُرَكَّبَةِ فِيهِمْ ، مُحْتَمِلَةً لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ، وَجَعَلَهُمْ ـ جَلَّ ذِكْرُهُ ـ صِنْفَيْنِ : صِنْفا مِنْهُمْ أَهْلَ الصِّحَّةِ وَالسَّلَامَةِ ، وَصِنْفا مِنْهُمْ أَهْلَ الضَّرَرِ وَالزَّمَانَةِ ؛ فَخَصَّ أَهْلَ الصِّحَّةِ
[١] آل عمران (٣): ٤٤؛ يوسف (١٢): ١٠٢.[٢] الجن (٧٢): ٢٦ و ٢٧.[٣] الروم (٣٠): ٣.[٤] الرعد (١٣): ٢.[٥] في «ب» و «ج»: «والسبق».