هدى الطالب في شرح المكاسب - المروج الجزائري، السيد محمد جعفر - الصفحة ٢٠٤ - هل يتوقف الإكراه على العجز عن التخلص بالتورية أو بغيرها؟
و أمّا جريان التورية في الأفعال فهو كما إذا أكرهه الجائر على شرب الخمر، فأخذها المكره و أهرقها في جيبه، فزعم الجائر أنّه شربها. و كما إذا أمر الظالم أحد عمّاله بضرب مظلوم في الليل المظلم، فيورّي المأمور في فعله بأن يضرب سوطه على الجدار، و يأمر المظلوم بالنياحة و البكاء ليعتقد الظالم بأنه ضربه. إلى غير ذلك من الأمثلة.
إذا عرفت حقيقة التورية و جريانها في الأقوال و الأفعال فاعلم أنّ المصنف (قدّس سرّه) فصّل بين المعاملات و غيرها حيث إنّه اعتبر العجز عن التفصي في حقيقة الإكراه في الثاني دون الأوّل.
و ملخص ما أفاده هو: أنّ المناط في الإكراه الرافع لأثر المعاملات إنما هو عدم طيب النفس بمفاد المعاملة، و من المعلوم أنّ هذا يتحقق فيما إذا أكره على معاملة، و هو في مكان يكره الخروج منه، و لكن لو خرج كان له في الخارج أحبّاء يكفّون عنه شرّ الظالم المكره، فلو باع و الحال هذه في ذلك المكان كان البيع باطلا، لفقدان طيب النفس فيه، فالإكراه حينئذ موجود.
و لو فرض في هذا المثال إكراهه على محرّم كشرب الخمر و الكذب و الزنا و أمثالها لا يتحقق الإكراه الرافع للحرمة، و لا يعذر في ارتكاب الحرام. فالإكراه المسوّغ للحرمة بمعنى الجبر المذكور في خبر ابن سنان المتقدم الذي فرّق بين الجبر و الإكراه، بأن جعل الأوّل من السلطان، و الثاني من الزوجة و الأب و الأم الذي ليس بشيء، و لا يترتب عليه أثر من ارتفاع الحرمة.
و بالجملة: فالإكراه في المعاملة بمعنى عدم طيب النفس و إن لم يتوجّه على ترك المكره عليه ضرر، كما في إكراه الأب و الأمّ و الزوجة. فالإكراه في المعاملات أعم من الإكراه المسوّغ للمحرّمات. فأكراه الأبوين و الزوجة رافع لأثر المعاملة، و ليس رافعا للحرمة التكليفية.
و الموجب للتفكيك بين الإكراه المسوّغ للمحرّمات و الإكراه الرافع لصحة