هدى الطالب في شرح المكاسب - المروج الجزائري، السيد محمد جعفر - الصفحة ١٧٩ - حقيقة الإكراه، و ما يعتبر في صدقه
[حقيقة الإكراه، و ما يعتبر في صدقه]
ثمّ إنّ (١) حقيقة الإكراه لغة و عرفا حمل الغير على ما يكرهه.
حقيقة الإكراه، و ما يعتبر في صدقه
(١) هذا شروع في جهة أخرى من جهات البحث في عقد المكره، و هي تحديد الموضوع أعني به الإكراه ليترتب عليه حكمه، في قبال الاضطرار و الجبر و الإلجاء.
و محصله: أنّه لمّا لم يكن للإكراه حقيقة شرعية كان المرجع في معناه إلى العرف و لو باستكشافه من كلام اللغوي، و قد عرّفه الجوهري بما في المتن، حيث قال:
«و أكرهته على كذا حملته عليه كرها» [١].
و المستفاد من هذا التعريف توقف صدق الإكراه على اجتماع أمور ثلاثة:
الأوّل: تحميل المكره شيئا مقرونا بالتهديد بإيراد ضرر عليه لو خالفه.
الثاني: أن يكون ما توعّد به مضرّا لا يتحمّل عادة، سواء أ كان الضرر متوجها إلى شخص المكره أو إلى ذويه كالوالد و الولد و الزوجة. و سواء أ كان في النفس أو في الطرف أو في العرض، أو في المال. فلو أكرهه على البيع مثلا و هدّده بأخذ مال منه لو لم يبع، و لم يكن دفع ذلك المال مضرّا بحال المكره- ليساره و كثرة أمواله- لم يتحقق الإكراه.
الثالث: علم المكره أو ظنّه بترتب المتوعد به لو خالف، بأن يكون المكره قادرا على المؤاخذة، و المكره مقهورا عاجزا عن دفع الضرر.
فإن اجتمع هذه الأمور تحقق الإكراه، بمعنى عدم استقلال المكره في التصرف، أي عدم طيب نفسه بما يصدر منه من فعل، إذ في تركه مظنة الضرر. و هذا لا ينافي صدوره منه باختياره إمّا دفعا للضرر المتوعّد به من طرف المكره. و إمّا لترجيح أخفّ الضررين على الأشدّ، كما إذا تضرّر المكره من بيع دار سكناه، و لكنه يقدم على بيعها و يتحمّل الضرر المادّي، دفعا للضرر الأعظم المتوعد به كالقتل.
و الجامع بين الفرضين عدم رضاه بما يفعله، لأنّ علمه بتحقق الوعيد أو ظنّه به
[١] صحاح اللغة، ج ٦، ص ٢٢٤٧.