نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٨٨
أضف إلى ذلك، أنّ المرتكز لدى العقلاء هو الأخذ بالإقرار، وذمّ الحالف على حلفه كاذباً وهو كاف في تقديم عموم الإقرار.
فلو كان ما ذكر مقنعاً في تقديم عموم الإقرار وإلاّ فيكفي ما رواه الصدوق عن مسمع بن أبي سيّار[١] قال قلت: لأبي عبد الله إنّي كنتُ استودعت رجلاً مالاً فيجحدنيه، وحلف لي عليه ثمّ إنّه جاءني بعد ذلك بسنتين بالمال الذي أودعته إيّاه فقال: هذا مالك فخذه وهذه أربعة آلاف درهم ربحتها فهي لك مع مالك، واجعلني في حلّ فأخذت منه المال وأبيت أن آخذ الربح منه ورفعت المال الذي كنت استودعته وأبيت أخذه حتّى استطلع رأيك فما ترى؟ فقال:«خذ نصف الربح وأعطه النصف وحلّله فإنّ هذا رجل تائب والله يحب التوّابين».[٢]
والراوي بصفاء ذهنه، أدرك أنّ له أخذ ماله، وإنّما توقّف في أخذ الربح. ومقتضى القاعدة أنّ الربح كلّه لصاحب المال، إذاأجاز ما ترتّب على ما له من العقود وعندئذ يكون دفع نصف الربح إليه حكماً استحبابياً، لأجل تشويقه إلى الصدق والصفاء وحفظ الأمانة وأمّا كون عمل المسلم محترماً فلاصلة له بالمقام، فإنّ ذلك فيما إذا كان العمل بإذن من صاحب المال، لا ما إذا قام به فضولياً.
ولعلّ ما في فقه الرضا، مأخوذ من هذه الرواية فقد جاء فيه:«وإذا أعطيت رجلاً مالاً فجحدك وحلف عليه ثمّ أتاك بالمال بعد مدّة، وربّما ربح فيه وندم على ماكان منه، فخذ رأس مالك ونصف الربح وردّ عليه نصف الربح. هذا رجل تائب».[٣]
[١] . سند الصدوق إلى مسمع لم يصحح، ولكن مسمعاً ثقة، وثقه الكشي، ص٢٦٢ والمجلسي في الوجيزة:١٦٧ ويظهر المدح في حقّه عن رجال النجاشي. والرواية معتبرة.
[٢] . الوسائل: الجزء ١٦، كتاب الايمان ، الباب ٤٨، الحديث ٣.
[٣] . النوري ، المستدرك، وهذا وأمثاله دليل على أنّ الكتاب(فقه الرضا)، مأخوذ من الأحاديث المروية عن الأئمّة لكن بتصرف وتلخيص وتقييد وتخصيص.