نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٩٤
المصنف (المحقّق) والأكثر اشتراط العلم فلايصحّ بدونه وهو أولى.[١]
أقول: الذي دعاهم إلى التفريق بين الشهادتين، أخذ العلم في الشهادة، ولكن لمّا كانت العدالة عندهم ملكة خفية والتكليف بالعلم حرج منفي فاكتفوا بغير العلم، بخلاف الجرح، إذ ليس أمراً مخفياً، بل يسهل الوقوف عليه بالمشاهدة أو بالشياع المفيدين للعلم، مضافاً إلى ثبوتهما بالبيّنة.
يلاحظ عليه: تارة بالنقض بما تقرّر في الأُصول من أنّه يكفي في جرح الراوي، شهادة واحد بل يثبت بالكُتُب وبشهادة مصنّفهم به مع عدم مشاهدته للجارح، وعدم ثبوت جرحه عنده بالتواتر ونحوه بل ينقله عن واحد ويرويه في كتابه.
وأُخرى بالحلّ وهو أنّ الملكة وإن كانت باطنية إلاّ أنّ آثارها تدلّ عليها ويحصل القطع بها منها بكثرة المعاشرة والصحبة كما هو الشأن في سائر الملكات فإنّ الإنسان يقطع بأنّ زيداً شجاع أو كريم لما رآه غير مرّة من إقدامه في الحروب وإعطاءه في المسغبة وكذا الشأن في الجبن والبخل وكذا ملكة الاجتهاد تعرف بآثارها ولاحرج ذلك إذا كان المزكّي عارفاً زكياً بأحوال الجرح والتعديل.[٢]
ويمكن الجواب عن الأوّل بأنّ وجه الاكتفاء بالظنّ في الراوي، لأجل بعد عهده وعدم إمكان ملاقاته والمعاشرة معه، فاكتُفِي فيه بالظنّ بخلاف الشاهد فإنّ تحصيل العلم بحاله ليس بمعسور.
وعن الثاني: بأنّ تحصيل العلم بالعدالة، وإن كان أمراً ممكناً كما مرّ، لكنّه ليس متوفّراً، ولو اكتفي في التعديل بما ذكر لزم تعطيل باب القضاء وهو يطلب لنفسه عشرات العدول في مختلف القضايا كلّ يوم ولأجل ذلك ، فُرِّق بين التعديل والجرح.
[١] . زين الدين العاملي:المسالك:٢/٤٠٤.
[٢] . العاملي، مفتاح الكرامة: ١٠/٤٤.