نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٥٦
ذلك تحرم الأُجرة في مقابل كفن المسلم ودفنه والصلاة عليه فإنّ ظاهر الأدلّة كونها من حقوق الميّت على المسلم الحيّ فأخذ الأُجرة فيه كأخذ الأُجرة على عمل مستحقّ لآخر كما إذا نذر أن يبني مسجد لله، فلايجوز له أخذ الأُجرة في مقابل العمل.
هذه هي الموانع الثلاثة عن صحّة الإجارة وأخذ الأُجرة ويمكن إرجاع الثاني إلى الأوّل، لأنّ الموجر لاينتفع بعمل الأجير إذا كان المورد أمراًعبادياً قربيّاً، إذتشترط في صحّته نيّة القربة غير الجامعة مع أخذ الأُجرة. وأمّا إرجاع الثالث إلى الثاني، كما عليه المحقّق الرشتي [١] فلا، لأنّ المفروض أنّ الميت أو وليّه ينتفع بعمل الأجير بدفن الميّت أو الصلاة عليه.
وأمّا المقام فليس القضاء ممّا لاينتفع به أهل البلد أو المتحاكمان، بل هو قوام الحياة والمجتمع، وليس عملاً عبادياًحتى لايجتمع مع أخذ الأُجرة وليس من حقوق الغير، وإلاّ أصبح جميع الخدمات من هذا القبيل إذ أيّ فرق بين قضاء القاضي ومراقبة الحارس ومرابطة المجاهد في الحدود، وطبابة الطبيب حيث لاتخطر ببال أحد، حرمة أخذ الأُجرة على تلك الخدمات بل الجواز فيها بمكان من الوضوح إذ تحريم أخذ الأُجرة فيها يوجب اختلال النظام وتسرّب الفوضى إلى المجتمع.
وكونه واجباً لايمنع عن الإيجار مالم يكن حقّاً للغير أو لم تكن الأدلّة ظاهرة في كونه عملاً تبرعيّاً فإنّ الواجب على قسمين: واجب بقيد جواز أخذ الأُجرة ،كما هو الحال في الخدمات والصناعات من غير فرق بين الكفائي والعيني وكون العامل فقيراً أو غنياً، فلايمنع وجوب العمل فيها عن عقد الإيجار ، وواجب بقيد كونه تبرعيّاً أو متعلّقاً لحقّ الغير. فمجرّد الوجوب لايكشف عن كونه عملاً تبرعياً مستحقاً للغير، كما أنّ جواز الإجبار، لايكشف عنه، فإنّ مناط الإجبار، كون العمل
[١] . القضاء: ٨٧.