نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣١٦
وممّا ذكر من اختصاص البحث بما إذا كان القاضي ملتفتاً إلى نيّة الراشي والمُهدِي، يعلم ضعف ما أفاده في الجواهر من الإشكال في الضمان مع التلف، فيما إذا كانت الرشوة من الأعمال التي تبرَّع بها الراشي ونحوه ممّا لابد فيه للمرتشي ولا أمر بالعمل [١] . اللّهم إلاّ أن يُفصَّل كما احتملناه في الدورة السابقة بين العين والمنفعة بأنّ الراشي لمّا كان هو المقدم عرفاًفهو المتلف فلايملك على المرتشي شيئاًمن العمل. ومع ذلك فللنظر فيه مجال لأنّه لم يملّكه إلاّ في مقابل الحكم له الذي طرده الشارع وعدّه فاسداًولم يملّكه مجّاناً فيدخل تحت قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده»، لا العكس.
الأمر الثامن: في الفرق بين الهدية والرشوة
إنّ ما يبذل للقاضي والعامل والظالم، ينقسم إلى الرشوة والهدية والظاهر أنّ الفرق بينهماجوهري يتفارقان به لا بالقصد، والاختلاف في القصد تابع للاختلاف الماهوي، فلو كان البذل في مقابل العوض، بأن يذكر أو يضمر بأنّ هذا مقابل ذاك فهو رشوة، وإلاّفإن كان البذل بلا عوض بأن كان ناشئاً عن عاطفة قلبية أو رابطة رحمية أو غير ذلك، فهو هدية .
وبعبارة أُخرى: أنّ الطريق الصحيح لاستكشاف الفرق بين الرشوة والهدية هو الدقّة في الفرق بين البيع والهبة غير المعوَّضة فإنّ الفرق بينهما جوهري في عالم الاعتبار، لا بالقصد والنيّة،حتى ولو اختلف القصد ، فإنّما هو لأجل اختلاف المقصود بالذات ففي البيع التزام بشيء، ليس في الهبة، ولأجل ذلك يقصد البائع مبادلة مال بمال ولايقصده الواهب. وإنّما يقصد أصل البذل بلا عوض. ومثله الرشوة والهدية فالراشي سواء دفعه صريحاً باسم الرشوة، أو ألبس عليها لباس الهدية فإنّما يبذل في مقابل التزام بما يرجع إلى المحاكمة والمرافعة بخلاف ما إذا
[١] . النجفي: الجواهر: ٤٠/١٣٣.