نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٨١
فإنّ هذه العناوين صادقة لمرتبة خاصة من التجزي فلايشترط الاجتهاد المطلق، ويؤيد ذلك أُمور:
١ـ إنّ القضاة التي كانت الشيعة تفزع إليهم في تلك الأيام، لم يكونوا إلاّ في هذه الدرجة من العلم والعرفان، ولم يكن لهم معرفة فعلية لجميع الأحكام، لتفرّق الروايات بين الرواة، وعدم وجود جامع بين الحكّام حتى يكونوا متدرعين بالعلم بجميع الأحكام.
٢ـ كان الأمر في عصر النبيّ والوصيّ عليمها السَّلام أيضاً كذلك فقد بعث النبي معاذاً ، إلى الجبل وقال له: «كيف تقضي إذا عرض لك القضاء؟» قال: أقضي بكتاب الله قال:«فإن لم تجد في كتاب؟»، قال :بسنّة رسول الله ... [١] أتظن أنّ معاذاً كان مسلّطاًعلى جميع الأحكام المشرّعة إلى يوم ذاك.
٣ـ كتب الإمام إلى واليه مالك الأشتر في عهده وقال: «ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيّتك في نفسك ممن لاتضيق به الأُمور ولاتمحكه الخصوم ـ إلى أن قال: ـ وأوقفهم في الشبهات وآخذهم بالحجج».[٢] وهل كانت مصر في ذلك اليوم تطفح بفقهاء ومجتهدين عارفين جميع الأحكام الشرعية، وإنّما كانوا يحفظون من الكتاب والسنّة وعمل الصحابة أشياء يقضون به ولو كان الاجتهاد المطلق شرطاً، لعطّل باب القضاء في مصر.
نعم كلّما تقدّمت ا لحضارة الإسلامية ،و تفتحت العقول وازداد العلماء علماً وفهماً، تسنَّم منصَّة القضاء من له خبروية كاملة في الفقه، وعلم بحدود الشريعة علماً محيطاً، ولم يكن ذلك بوازع ديني، بل كان نتيجة سيرالعلم وتقدّم الثقافة.
نعم قد أخذ القضاء في عصرنا لوناً فنِّياً، وصار عملاً يحتاج إلى التدريب والتمرين فلامناص عن إشراف قاض مدرّب ومجرّب على عمل القضاة المتجزئين
[١] . الجزري: جامع الأُصول: ١٠/٥٥١.
[٢] . نهج البلاغة، قسم الرسائل، برقم ٥٣.