نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٧٩
حلاله وحرامه، فأنتم المسلوبون تلك المنزلة وما سُلِبتم ذلك إلاّ بتفرقكم عن الحق، وإختلافكم في السنّة بعد البيّنة الواضحة».[١]
وملاحظة مجموع الكلام من أوّله إلى آخره يثبت أنّ المراد من الأُمور، في قوله:«مجاري الأُمور» هو ما كان يقوم به الخلفاء بعد رسول الله في قيادة الأُمّة وأنّ الإمام يُندِّد بهم وبأعمالهم ويقول: إنّ هذه الأُمور شأن طبقة خاصة وهم: العلماء بالله، الأُمناء على حلاله وحرامه، والمراد من العالم بالله، من درس التوحيد: الذاتي والصفاتي والأفعالي حتى صار عالماً به، وشرب من منهل العلم وأملأت قلبه الخشية والخوف قال سبحانه: «إنّما يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبادِهِ العُلَماءُ» (فاطر/٢٨) فصار أميناً على حلاله وحرامه، ولاينطبق ذلك إلاّ على الأقل من الطبقة من العلماء فضلاً عن المقلّد.
سؤال وإجابة
إنّ دلالة هذه الروايات على لزوم إتصاف القاضي بكونه حاكماً بالكتاب والسنّة، وقاضياً بما يفهمه من الأدلّة، واضحة فلايشمل العناوين الواردة فيها المقلِّد، لكن هنا سؤال وهو عدم وجود الاجتهاد الرائج، في عصر الأئمّة وأقصى مايدلّ عليه ما سبق من الأدلّة ، كون القاضي صادراًعن الكتاب والسنّة، وأمّا كونه مستنبطاً فلا وعندئذ يصبح نفوذ قضاء المجتهد بالمعنى الاصطلاحي بلا دليل.
والإجابة عنه واضحة، لأنّ ما هو الشرط هو الصدور عن الأدلّة الشرعية، والقضاة في ذلك العصر، والمجتهدون في أعصارنا كلهم يصدرون عنهما، غير أنّ فهم المصدرين الرئيسيين والصدور عنهما كان في ذلك الزمان قليل المؤنة لكنّه أصبح في عصرنا كثيرها وليس بين العملين فرق جوهري إلاّببذل الجهد القليل،
[١] . الحرّاني: تحف العقول: ٢٣٨. ط النشر الإسلامي.