نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥١٥
والحاصل أنّه مع وجود الدولة الإسلامية، أو كون الحاكم في قطر من الأقطار، ذا مقدرة على جمع الحقوق وتقسيمها بين المستحقين، إذا بعث عاملاً أو نصب مصدقاً، أو خارصاً، ففي جميع هذه الموارد يعامل الحاكم مع ما تحت يده في الحقوق معاملة المالك الشخصي فكما أنّه لا ترفع اليد عن حقّه إلاّ بالبيّنة فهكذا ما هو النازل منزلته وبذلك تظهر الحال في الفرع الأوّل والثاني، والثالث والخامس، فاذا كانت الدعوى تحمل سلب حقّ أو مال عن المستحقّين له، فليس للحاكم الإغماض وقبول الدعوى بلا بيّنة أو مع اليمين لاستلزامه احتمال الضرر على الفقير وليس المقام من موارد جريان البراءة وقد قلنا أن كل مورد يسهل للإنسان، تحصيل العلم بالواقع بلا مشقّة فهو خارج عن منصرف أدلّتها. وهذه الموارد، ـ مضافاً إلى أنّ الحاكم مأمور بحيازة حقوق المستحقّين ـ ممّا يسهل له تحصيل العلم بالواقع فلا وجه للاغماض.
وأمّا القسم الثاني فهو مالا يتضمّن سلب حقّ أو مال عن المستحقّين، وإنّما هو بصدد جرِّ نفع إلى نفسه كما في إعطاء الزائد عن الحقّ فيدّعي أن الدفع كان عن سهو لا عن تبرّع، أو دعوى المرأة المحلّلة، الإصابةَ، أو دعوى الظئرِ الولد، ففي هذه الموارد، يطلب من المدّعي اليمين، وذلك لأنّ القضاء بين المتخاصمين إمّا بالبيّنة أو باليمين فاذا لم يمكن الأوّل، يتعيّن الثاني، فالقضاء بلا بيّنة ولا يمين أمر غير معهود وخارج عن الحصر الوارد في النبوي المعروف.
وأمّا القسم الثالث فهو ما إذا اقترن ثبوت الحدّ بالشبهة الدارئة، فتقبل الدعوى، لابما أنّها تقبل بلا بيّنة بل لأجل أنّ درء الحدود بالشبهات من الأُصول المسلّمة في الفقه.
ومنه يعلم حكم الفرع السادس والتاسع عشر.
ثم إنّ المحقّق ذكر فرعاً رابعاً في كلامه: وهو أنّه لو ادّعى الحربي أنّ الإنبات كان بعلاج لا بالطعن في السنّ ليتخلّص بذلك من القتل الذي هو حدّ من حدود