نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٠٥
إليه، و أخذ الراشي فريقاً آخر منها بالإثم و هما يعلمان أنّ ذلك باطل غير حقّ».[١]
والحاصل: أنّ صدر الآية نهى عن مطلق أكل الأموال بالباطل كما ذكره الطبرسي، لكن قوله تعالى:«وَتُدْلُوا بِها »إشارة إلى قسم خاص منه وهو تقريب بعض المال إلى الحاكم ليحكم لصالحه حتّى يتسنّى للراشي أكل البعض الآخر الذي يدلّ عليه قوله تعالى:«لِتَأكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النّاسِ» .
والغاية من دفع المال إلى الحاكم، هو حكمه لصالحه، وهما يتواطئان على ذلك بأنّ هذا، بدل ذاك سواء صرّحا بذلك أو أضمرا وكان معلوماً لهما وبذلك يتّضح الفرق بين الرشوة والهديّة، فالأوّل مشتمل على المقابلة صريحاً أو ضميراً بخلاف الثاني، فليس هناك أيّة مقابلة لا في الظاهر ولا في الباطن، والفرق بينهما كالفرق بين البيع والهبة ويشير إلى ما ذكر، حرف اللام في قوله :«لِتَأكُلُوا فَرِيقاً من أَمْوالِ النّاسِ» واللام للغاية.
ويدلّ على الحرمة لفيف من الروايات التي أشرنا إلى مواضعها فلاحظ.
هذا والرشوة من المفاهيم ذات الإضافة، لها إضافة إلى الراشي، وإضافة إلى المرتشي، وإلى المال المعطى(الرشوة) فإذا دلّ الدليل على حرمة الرشا، فيكون دليلاً على كونه حراماًعلى المعطي والآخذ ولأجل ذلك ترى أنّ الآية توجّه الخطاب إلى الراشي أوّلاً وبالذات وتقول:«ِ وَ تُدْلُوا بِها إِلَى الحُكّامِ لِتَأكُلُوا فَرِيقاً من أَمْوال النّاسِ بِالإِثْم» ، وبذلك تستغني عن الاستدلال على الحرمة في جا نب المعطي بالنبوي المروي من قوله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم:«لعن الله الراشي والمرتشي».[٢]
وقال السيّد الطباطبائي : كما يحرم على الآخذ، كذا يحرم البذل على الباذل
[١] . العلاّمة:الطباطبائي، الميزان: ٢/٥٢، ط طهران.
[٢] . النوري، المستدرك:الجزء ١٨، الباب ٨، من أبواب آداب القاضي، الحديث ٨.