محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٣٧ - الخطبة الثانية
وأظنُّ أن ما يريده هؤلاء من تجاوز علماء الدين لاختصاصهم، وتدخّلهم في شؤون الغير من أهل الاختصاص هو كلامهم عن مسألة الظلم والعدل، وسلب حقّ الشعوب، والمتاجرة بقضايا الأمّة، والتلاعب في مصيرها من قِبَل كثير من الساسة، وهذا هو ما يستكثر على علماء الدّين، وعلى كلّ مواطن آخر ينتقد واقع السياسات المنحرفة.
ويجب أن يُميّز بين علم السياسة والمذهب السّياسي، وكذلك بين علم الاقتصاد والمذهب الاقتصادي، وعلم الاجتماع والمذهب الاجتماعي. فالعلم الخاصّ مجموعة من القوانين، والروابط العليّة والمعلوليّة الواقعيّة التي تُوصل إلى نتائج معيّنة مما لا ربط له بقيم ولا معاييرَ خُلُقيَّة، ولا كلام للدِّين فيها ١٦، أمّا مثل المذهب السياسي فيرتبط بقضية العدل والظلم، وما ينبغي وما لا ينبغي، وما يقرّه الضّمير وما لا يقرّه، وما أَذِن الله به وما لم يأذن، وما يحقّ للفرد والمجتمع وما لا يحقّ، وما يمكن أن يُتصرّف فيه من شأن الغير وما لا يُمكن أن يُتصرف فيه.
وإذا كان للدين مذهبه السياسي، ومذهبه الاقتصادي، والاجتماعي فمن هو الأحقُّ بالتحدّث عنه وبيانه من علماء الدّين المتوغّلين في دراسته؟
عالم الدين كغيره من أهل الاختصاصات الأخرى لا يتحدث في مجال غير مجاله إلّا أن يكون له أكثرُ من اختصاص، ويتناول ذلك المجالَ اختصاصُه.
وإذا وُجد عالمُ دين شاذٌّ لا يقدِّر الأمور حقَّ تقديرها وخاض في علم بغير علم فموقفه مرفوضٌ ديناً. على أنّ أكثر النّاس فضولًا، وأبعدَهم عن الموضوعية واحترام الذّات، وتوقير العلم، والتأدُّب بأدبه هؤلاء النّاس الذين يُكثرون القولَ في الدين، ويبتُّون بآرائهم