محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٠٨ - الخطبة الأولى
الشخص نفسه، والقبيلة والوطن، والقوم والأمة مما ينتمي إليه على حساب الآخر. ولا إنسان بمعصوم في نفسه هذه العصمة بكاملها.
كلّ هذه الأمور مجتمعة هي التي يقوم عليها استغناء الإنسان عن منهج السماء وتشريعات الله، وتنزُّلِ الوحي لهدايته وقيادة حياته، ووضعِه على طريق غايته. وواضح جدّاً أن ليس كلُّ الطُّرُق وإن تباينت وتعارضت وتهافتت مؤدية إلى الغاية الحميدة الواحدة، والسعادة المنشودة ٢.
ولو تمّ إيمان الإنسان بحاجته إلى الهدايات التشريعية من الله، والمنهج العليم من عنده، ولكن عَلِم مع ذلك أن الله سبحانه مهمل له، متخلٍّ عنه، لا رحمة له به، أو لا علم له بأحواله، وما يصلحه، وما يفسده، وينفعه ويضرّه، وما يتناسب مع تكميله، ويتنافى معه، أو لا يريد كماله، أو لا قُدرة له ولا طريق لإيصال منهجه، وتبليغ أحكامه، أو إيجاد النّفوس القادرة على تلقّي وحيه، وحمل رسالته، وأداء أمانته؛ فإنّ للإنسان حينئذ أن لا يتطلع نحو السّماء لعلاج مشكلته، وأن يدخل في كل المحاولات الفاشلة طلباً في الحلّ اعتماداً على نفسه، وأن يستسلم لواقع القصور والجهل الذي لا يجد مفرّاً منه.
ولكنَّ الله تبارك وتعالى فوق كل المحتملات المطروحة، وهو أعزّ وأجلّ من كل ذلك، وهو العليم الخبير القادر الحكيم الرحمن الرَّحيم.
فتحتّم على ذلك أنه لا يتناسب مع جلال الله وجماله وكماله ورحمته ولطفه وحكمته وقدرته وعلمه إلَّا أن يوحي إلى المصطفَين من عباده المنهج المنقذ للإنسان، والدِّينَ الحقّ، والأحكام اليقينية الصالحة التي تحقق للإنسان المسؤول عن الاستجابة لها ما يُطيقه وجوده من السّعادة في الدّنيا وفي الآخرة، ويريحه من الكثير الكثير من متاعب الحياة، ويحفظ له قيمة حياته، ويضمن له غايتها.