محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٧٧ - الخطبة الأولى
وهذا الأمر لا ينتج لنا أن طبيعة العلة التي تقف وراء المعجز من نفس طبيعة العلة التي تقف وراء أي ظاهرة علمية أخرى، وأنّه متيسِّرٌ للعقل البشري أن يكتشف علة المعجز تيسر اكتشافه لعلة أي ظاهرة من الظواهر الكونية الأخرى؛ وإن كان هذا الاكتشاف قد يتقدم زمناً من عقل ويتأخر من آخر.
٢. الأمر الآخر هو أن نسلِّم بأنّ كلّ علل الظواهر ومنها ظاهرةُ ما نسمّيه بالمعجز لا تختلف في طبيعتها، وأنها على حدٍّ سواء في إمكان اكتشافها من أكثر من عقل ٨، والعقلُ المكتشف لعلة شيء، الواجدُ لها ينتج معلولها. نعم يمكن أن يتقدم عقل على آخر زماناً في اكتشاف هذه العلة، وتحقيق معلولها.
وهذا التقدم أو التأخر في الاكتشاف ليس خاصّاً بالمعجز حتى يكتسب دلالة خاصَّة.
ولو تمّت المساواة بين علة المعجز وغيره في إمكان اكتشافهما بالأدوات المعرفية عند غير الأنبياء لسقطت قيمة المعجز حقّاً في إثبات أن صاحب المعجز نبي أو مرسل من الله سبحانه.
لكن لا دليل على الإطلاق على هذه المساواة فضلًا عن أن تكون أمراً بديهيّاً، فلا بديهية لهذه المساواة كبديهية مبدأ العليّة ولا دليل عليها من ناحية علميَّة.
فإذا كان للمعجز علّتُه التي لا تملك التجارب العلمية التي تعتمد عليها منجزات الإنسان في مجال الاكتشاف والاختراع أن تصل إليها؛ امتنع أن يقاس المعجز بالمنجزات البشرية في إمكان تحقّقه من غير الأنبياء المدعومين بالغيب دعماً خاصّاً للدلالة على نبوّتهم.
فالمعجز له علّة لكن لا يلزم أن تكون هذه العلة متاحاً للوسائل العلميَّة التي تملكها الطبيعة البشرية أن تتعرّف عليها.