محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٢٣ - الخطبة الأولى
١. قوله تعالى وَ أَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ هُمْ فِي غَفْلَةٍ وَ هُمْ لا يُؤْمِنُونَ ٣.
فيوم يُقضى الأمر، وتحقّ الحقائق، وتظهر النتائج، وتُقرّر المصائر تكبُر المصيبة على نفوس استغرقتها الغفلة في الحياة عن الله والذّات والمصير، وفقدت نورَ الإيمان، وباعت العُمر رخيصاً في الظلم والشهوات ذلك لِمَا أيقنت من فوات السّعادة، وإقامة الشقاء، فالفائت لا يعدل وزنه شيء، ولا يقوم شيء مقامه، ولا تجد النّفس غِنىً عنه، ولا استقراراً بدونه، ولا قيمة لها بخسارته. والشّقاء المكتوب عليها والذي جنته بيدها وسعت إليه سعياً ليس مما تسعه نفسٌ أو تطيقه. فالحسرة إذاً ليس مثلها حسرة، والندامة فوق كل ندامة.
٢. وَ اتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَ أَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ، أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَ إِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ٤.
يومٌ لا يحسب الإنسانُ أيَّ حساب له، ولا يُعيره أيَّ اهتمام يفاجئه فيه عذاب إهمالِه وتضييعه لفرصة الحياة وهو عذابٌ لا تقوم له قُواه، ولا تحمّل لطاقته به فيملكه الندم، وتأكل نفسه الحسرة، ويضيق بالعذاب ذرعاً، ويدخل في لوم النفس حيث لا ينفع لوم، ولا يشفع ندم، وقد يجاهر بالتحسُّر الذي يملأ داخله أن لماذا فرّط في جنب الله، وفارق دينه، واستخفّ بشأن ربّه، وسَخِرَ من شريعته، فضلّ عن الطريق، وضيّع الغاية، وانتهى به الأمر إلى الهلكة، وإلى عذب شديد، وشقاء مقيم.
وما الندم إلا لون من العذاب، وما الحسرة يوم القيامة إلا عقوبة فوق العقوبة.
٣. وَ يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا، يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا ٥.
ذلك اليوم يوم عسير على الكافرين، شاقٌّ على المعاندين المكابرين، سيٌء على العاصين المذنبين. إنه يوم هول وفزع ورعب وعذاب شديد فماذا تملك نفسُ ظالمٍ قد جمع على