محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٣ - الخطبة الثانية
لكنَّ السياسة سياستان؛ سياسة تأخذ بالعدل، وتستهدف الإصلاح، وبناء الثّقة على أساس صحيح، وإشاعة المحبَّة. وهذه السّياسة لها أساليبها، ووسائلها، ومؤسساتها. وسياسة تأخذ بغير هذا، ولا تهتمُّ ببناء ثقة، ولا إشاعة المحبَّة بين الناس. وهذه السّياسة لها أساليبها الأخرى، ووسائلها ومؤسساتها.
وإنَّ سياسة من النوع الأول يصاحبها عادة جوّ هادئ بلا مظاهرات ومسيرات واعتصامات واحتجاجات صارخة، ولا تعتمد التشدُّد والقسر، ولا تحتاج إلى كثرةٍ في السّجون، ولا تنتشر فيها المحاكمات السياسية والأمنية، ولا تتجدّد وتتكرّر حتّى لا تخلو منها السّاحة باستمرار، ولا تعتمد مؤسسات يُلازم طبيعتها الفساد.
أمّا سياسةٌ من النوع الثاني فتخلق جوّاً صاخباً، ومناخاً خطيراً مضطرباً، وعواصف وزوابع، وطابع أسلوبها التشدّد والقهر وكسر العظم، والوسائل فيها سِجنٌ وتعذيب ومحاكمات مستمرة، وأحكام متعسّفة.
وما أضرّ السّياسة الأولى بأهلها والشعوب والأوطان، وما أنفع السياسة الثانية.
إنَّ المستهدِف لخلق أجواء التّوتّر له طرقه ووسائله وإثاراته، ويجيد وسائل التهييج، وتلبيد الأجواء، وتفجيرها، ويقضي على كلِّ فرص الهدوء، ويغلق كلّ أبواب الحوار.
وإنَّ لمستهدف التهدئة وترطيب الأجواء، وإصلاح ما بين النّاس، والأوضاع طرقه ووسائله الأخرى المجانسة لهدفه، وهو حريص على فتح باب الحوار، وتقبُّله، والبحث عن فُرصه.