محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٤٧ - الخطبة الأولى
اللهم اجعل توكّلنا عليك، ولجأنا إليك، وانتصارنا بك، وثقتنا فيك، واجعل آمالنا إليك متّجهة، وقلوبنا بك مطمئنة، وهمّتنا إليك مصروفة، وأعمالنا عندك مقبولة، وطاعتنا مرضيّة يا أرحم من كلّ رحيم، ويا أكرم من كلِّ كريم.
أما بعد أيّها الأحبة في الله فهذه متابعة للحديث في موضوع العبادة:
معبودٌ لا يغيب:
لا معبودَ حاضراً دائماً إلا الله، فكل معبود من دونه يغيب وهو لا يغيب. ولو أفاق العقل، واستيفظ القلب، وصحَّت البصيرة لما عَبَدَ عابد غائباً، ومن يُحتمل فيه السهوُ والنسيانُ والانشغال والغفلة. وما أهونَ معبوداً لا يرى من يعبدُه، ومن يكونُ مغشوشاً لعابده!! ١ وما أخسر عابداً يَعْبُدُ من يُسيء فيه الظنَّ فيجازيه شرّاً وهو يعبده، ويُخلِصُ له.
والعابد لله قد يَغْفُل عن علم الله فيسيءُ العبادة، ويخرج على أدبها، ويأتي فيها بما لا يليق، وكلّ ذلك بعلم الله، وتحت رقابته.
أما الذَّاكر لله فيسود الخشوع عبادته، وتملكه المسكنة والضّراعة وهو بين يديه، ويملأ الأمل والاطمئنان قلبه وهو يرفع كفَّه إليه. والفقه يُحسن العبادة، ويمكّن من مراعاة حقّها، والأخذ بأدبها، وأن تأتي بالصورة المرضيّة عند الله عزّ وجل.
والله عالمٌ بمن يراه، ومن لا يراه، ومطّلع على كلّ ذاكر وغافل.
والعبادة لا تلذّ إلا من ذاكر، ولا تطيب كما ينبغي إلا من نفس ترى الله وهي تعبده.
ويقول القرآن الكريم عن الله الشاهد الذي لا يغيب: .... وَ لا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَ ما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ وَ لا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ٢ فالحضور دائم، والإحاطة شاملة، والشهادة مستوعِبة ومحفوظة لا تنسى ولا تغيب.