محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٥٥ - الخطبة الثانية
وكأنّ علماء المساجد أجهلُ فئات المجتمع بالإسلام ولذلك كانوا هم الأحوج لدروس السياسة في الدين، وتبصيرها وعظاتها.
ويوم أن تبع المسجدُ السياسة، وأحكمت السيطرة عليه، وفي مفصل من مفاصل تاريخ الإسلام كانت خطبة الجمعة تتولّى شتم خليفة من خلفاء المسلمين لا يشكّ منصف في أحقّيته للخلافة، لا يقدّم عليه أحد رجلا في التقوى وهو علي بن أبي طالب عليه السلام.
لقد فرضت السياسة شتم أمير المؤمنين عليه السلام وجعلت ذلك ركنا من أركان خطبة الجمعة لسنين متمادية. هذا ما تفعله السياسة في المسجد، ولو اقتضت مصلحة تلك السياسة لعن كل الخلفاء الذين أعقبوا في الحكم رسول الله صلّى الله عليه وآله لما توقّفت عن ذلك.
والسياسة لا تثبت على حال، ومصلحتها دائماً في تقلّب، وصديق اليوم فيها عدوّ غداً، وعدو اليوم صديق بعده، وتدخّل السياسة الخارجيّة للبلدان المعادية للإسلام في شؤون السياسة الداخلية المحلية لكثير من البلاد الإسلامية اليوم ليس بالأمر الخفيّ، والاستجابة لهذه التدخّلات كذلك ليست قليلة.
إذا أريد لنعم السياسة أن تكون نعم المسجد، وللائها أن تكون لاءاً له احتجنا لمسجد من نوع آخر يتلوّن بلون السياسة، ويشرّق إذا شرّقت، ويُغرّب إلى غرّبت، ويبيح ما تبيح، ويُحرّم ما تحرّم. وكم من مباح في السياسة هو محرّم في الدين، وكم من مباح في الدين هو محرّم في السياسة، وكم واجهت السياسة من أحكام الدّين أشدّ مواجهة وأقساها؟!