محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣١٤ - الخطبة الثانية
وليست علاقة القويّ الناهب للضعيف، والمتسلط الغاشم المستحلّ لكل شيء من أسيره، والسيد المطلق بالعبد الذليل.
وهل تعمد الحكومات إلى أن ترحِّل شعوبها أو تقضي عليها وتستبدل عنها غيرها من شتى بقاع العالم لتُبقي على سياستها؟ لو استطاعت لفعلت، ولو فعلت ما استقام لها أن تستمرّ على سياستها لأنك لا تجد شعباً واحداً من الشّعوب المتحضّرة بمستوى البهائم أو العبيد والإماء لا يرفض الظّلم والذّل والهوان.
وماذا بعد ذلك؟ ليس شيء من بعد ذلك إلّا أن تُعدِّل الأنظمة الرسميّة من سياستها وتعترف بحق الشعوب وحرّيتها وإنسانيتها وكرامتها، وأن ليس لها أن تحكم إلا بصفة النيابة عن الشعوب، والنيابة لا تتم إلا بالرِّضا ابتداء وعلى مستوى الاستمرار.
وهذه الحكومات المستأسدة ضد شعوبها ضعيفة متخاذلة فاقدة للحيلة مستسلمة أمام إسرائيل وإرادتها.
كانت الأنظمة العربية تُكثر القول المكرَّر بأن فلسطين والقدس هما القضيّة الأولى للأمّة العربيّة. والقضيّة الأولى والمركزيَّة والثابتة لا يساوم عليها ولا تُضيَّع ولا تُنسى ولا تُقَّدم على حسابها التنازلات.
وقد توالت الانسحابات عن الالتزام بهذا القول، ودخلت الأمة رسميّاً في خارطة الطريق لسدّ الطريق، أو ليؤدي إلى تحقيق ما خططت له إسرائيل في هذه القضية، وبدأ التنازل بعد التنازل، والتبرير للتخاذل بعد التبرير، وسجَّلت الأنظمة على نفسها ضعفاً مخجلًا أمام الأمّة والعالم إن لم يكن خيانات واضحةً من البعض وتآمراً على الأمَّة.
وفي كل مرة من المفاوضات المباشرة أو غير المباشرة تسدُّ إسرائيل الطّريق، وتتظاهر أمريكا بالضغط عليها ببعض الكلمات لتعلن للعرب من بعد ذلك بأنَّ الإرادة الإسرائيلية أقوى من أن تلين، ليستجيب العرب بتنازل جديد للإشارة الأمريكية لا ضغطها الذي لا