محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢١٧ - الخطبة الأولى
الحمدلله الذي لم يسبق وجوده وجود، ولا أوّل لوجوده، ولا آخر لبقائه، وهو الذي ابتدأ الخلق من لا شيء، ولا معجز لقدرته، ولا إحاطة لشيء بعلمه، وهو بكلّ شيء عليم محيط.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
أوصيكم عباد الله ونفسي القاصرة بتقوى الله لننجو بها من النار، ونقوى بها على الصِّعاب، وتهنئنا الجنّة. ولا يكن لنا همٌّ فوق همِّ الدين، ولا تكن الدّنيا أكبر همٍّ لنا، ولا آخر ما نطمح إليه، فإنّ الدنيا مهما عظمت فهي حقيرة بالنسبة للآخرة، وكثير العمل لها لا يُعطي إلا القليل وربما أنقذ القليل من العمل للآخرة من كرباتها، وأعقب خيرا كثيرا دائما مقيما. وكلّما كثر العمل للآخرة كلّما كثر خير صاحبه، وعلت منزلته، وسما مقامه.
ومن بعُد عن الله عز وجل فقد اختار الخسار، ولم يربح الحياة، ولم يرد لنفسه خيرا.
العبادة
وتقول الكلمة عن علي عليه السلام:" أبعد ما كان العبد من الله إذا كان همّه بطنه وفرجه" ١. فهذا الهمّ يفصل عن العقل والدين، ويقضي على يقظة الرّوح، ويطفئ نور القلب، ويُعطي الحضور للشهوة؛ فلنتفقّد النفس، ولنراقب همّها، ونحترس من أن تؤسر لهمّ الدنيا وما دنا من الشهوات فتخسر فرصتها في الرقيّ والكمال، وتكون حياتها كلّها للأرض، وتمضي العمر في الطين.
وما حياة أحدنا في نتيجتها إلا حصيلة همّه وهدفه وأفق رؤيته ومستوى إرادته. فكبير الهمّ والهدف والإرادة، والواسع في أفق رؤيته كبير في النهاية، والصغير في هدفه وإرادته، وضيّق الأفق في رؤيته صغير في النهاية.