محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣١٣ - الخطبة الثانية
بفعل السياسات الطاغية الباغية التي سلكت بالأمة طريقاً غير طريق الإسلام بدأت ولجهد رساليّ متواصل وأحداث إسلامية ضخام لا تخفى يعود لها الشعور بالذات الحضارية الكريمة، والانتماء الأصيل لأعظم دين يعتني بالحقّ وروح العزّة والكرامة، ويقدِّر الإنسان أحسن تقدير. هذا في وسط عالمي بدأ رفضُه لظلم الحكومات الذي عانى منه طويلًا يشتد متعاظماً معبّراً عن نفسه بأساليب متفاوتة منها صالح وغير صالح، عقلائي وغير عقلائي، عادل وظالم.
وهذا الواقع الجديد في بعده المتصل بالأمة، وبُعده العالمي يخلق حالة من المفارقة والتباعد المتسع بين ما عليه الأنظمة الرسمية الظالمة، والغطرسة التي تتصف بها وما عليه الشعوب من إحساس مرٍّ بالظلم، والتهميش، والإهانة، وسلب الحقوق، والسحق والمحق.
وعودة شريحة واسعة من الأمة الإسلامية إلى شيء من أصالتها ومفاهيم دينها وقيمه، والتمسك بالعزّة الإيمانية التي يوحيها، والحقوق الإسلامية والوطنية والإنسانية التي قررها يجعل المسافة بين تفكير الحكومات والتي تصر على الاستئثار والجشع ونهب ثروات الشعوب والمتاجرة بها واسترخاص قيمتها ومصادرة رأيها وكلمتها، ومضايقتها في أمور دينها ودنياها والسياسة العملية المركّزة لتنفيذ كلّ هذه المساوئ وبين الحالة المتنامية لوعي الأمة وإحساسها العميق بذاتها وكرامتها، وإيمانها الشديد بحقوقها مسافة شاسعة تزيد تباعداً كل يوم، لتتفاقم بصورة مستمرة ومتصاعدة من كل المشاكل والأزمات المترتبة على هذا التباين.
والأنظمة الرسمية عاجزة عن أن تعود بالأمة عن خطّ وعيها وشعورها بذاتها وقيمتها وأصالتها إلى الوراء، وعاجزة كذلك عن تصحيح نظرتها لطبيعة العلاقة بينها وبين شعوبها من أنها علاقة الراعي لحقوق الشعوب المؤمِّن لها، الساعي في الحفاظ عليها وتثبيتها،