محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٤٢ - الخطبة الثانية
والتصويت لمن يُخلص لكل هذه القضايا، ويستطيع أن يُعبّر عنها، ويملك القدرة أن يواجه من أجلها، وله الخبرة التي تُعينه على ذلك، والمناعة عن الذوبان والتهالك على الدّنيا، والشجاعةُ الكافية للإصحار بالحقّ، والإدراك لحجم الأمانة، وعِظَم المسؤولية، والخوف الرّادع من الله عزّ وجلّ عن الاستسلام للترغيب والترهيب.
وأيُّ عدد من النواب يكون مع الشّعب في المجلس إما أن يأتيَ أصواتاً متفرّقة، وآراء متباينة، واجتهادات مختلفة، أو يأتيَ حزمة واحدة يجمعها رأي موحِّد، وصوت واحد، رأي تنتهي إليه دراسة مشتركة من عقول متعددة وتجارب متكثرة ليتّسم بالعمق والإحاطة والشمولية والمتانة والقوَّة، وصوتٌ مدوٍّ مواجهٌ غيرُ متردد ولا مطموعٍ في إسكاته، على خلاف رأي الفرد الذي قد يأتي مرتجلا، أو نتيجة لدراسة قاصرة، وظروف نفسيّة مرتبكة، وتجربة مجزوءة، والذي يمكن أن تهزمه الأصوات المضادّة حين تحتوشه بعنادها وشراستها وتكالبها.
والواحد ضمن الكيان الموحّد لعدد من النوّاب خاضع لرقابتهم ومحاسبتهم، وخاضع لحساب المؤسسة التي ينتمون إليها بكلّ الدوائر والجهات الرسمية في هذه المؤسسة، وخاضع لمحاسبة الجمهور العريض الذي يقف وراء هذه المؤسّسة، وهو أمر مفقود في النائب خارج هذا الكيان والذي لا يجد مرجِعاً له في مواقفه اليومية والتفصيلية إلا نفسه، وإن كان يشعر بشيء من الرّقابة العامة الاجتماعية غير الثّابتة والمنظّمة.