محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٠٣ - الخطبة الأولى
موضعها، وهذا الشّعور بالذّل لا ينفصل بصاحبه عن طريق العِزّ والقوّة في الذّات والنّاس بعد أنْ كان دافعاً في اتجاه القويّ العزيز، وطلب ما به العِزّة والقِوّة؛ ولا يرضى الله تبارك وتعالى من عبده المتقرِّب إليه إلّا بأن يتزيَّن بما تسمح له طبيعة وجوده ودرجتها من أسماء ربّه الحسنى التي لا منتهى لها جلالًا وجمالًا وكمالًا.
الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ١.
إنَّ كلَّ من قصد خير نفسه، وخير مجتمعه، والعِزّ والقوّة، والسلامة والأمن ميمِّماً وجهه شَطْرَ غير الله فقد أخطأ طريق قوّته وخيره وعزّته وأمنه وهُداه. والقصد إلى الله عز وجل لا يكون بالدُّعاء فحسب وإنما به، وبالعمل لأمر الدين والدنيا، وبالطاعة والإخلاص.
وعمّا تقدّم من أنَّ الإسلام يطلب منّا التواضع، ويأبى لنا الضِّعة يقول الحديث عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم:" طوبى لمن تواضع لله تعالى في غير منقصة، وأذلّ نفسه في غير مسكنة" ٢.
فالمؤمن يأخذ بالتواضع في الناس ولكنّه تواضعٌ لله، واعترافٌ عمليٌّ منه بعبوديته له، واستجابة منه لأمره ونهيه، لا أنّه حالة من الشعور بالذّل والمسكنة، والضّعف والتضعضع أمام النّاس، وما في أيديهم من قوّة وجاه ومال، فالشعور الأوّلُ حقّ، ورفعة، ودافع كمال، والشعور الثاني شعور بالانحطاط والانسحاق.