محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٥٠ - الخطبة الأولى
القرآنُ الكريم الذي لم يشذّ في شيءٍ مما جاء به عن الفطرة أو العقل، ولم يقع في خطأٍ علميٍّ في ما تناوله على الإطلاق مع كثرة ما تناوله من موضوعات متنوّعة، وحقائقَ مختلفة، ولم يُغفل بُعداً من أبعاد ذات الإنسان، ولم يُهمِل مساحة من مساحات الحياة، ولا مصلحة من مصالح الدّنيا والآخرة، ولا شأنَ الفرد والمجتمع والدولة، ولا رعاية إنسانٍ أو حيوان، أو بيئة، ولا علاقة من علاقات الحياة، وحدَّد المنطلق، وعيَّن الغاية، ورسم المنهج، وأصاب ولم يُخطئ في كلّ ذلك، وبقي سبّاقاً في طرحه لكلّ الزمان والمكان وما أصابه تقادم، وظلّ مِعطاءاً في كلّ القرون، ولم ينفذ عطاؤه، وهو باقٍ كذلك ... القرآن بهذا الواقع الكبير، والغِنى المفتوح، والسَّبْق الثابت يستحيل أن يكون من وضع محمد بن عبدالله صلّى الله عليه وآله أو أيّ قدرة بشرية أخرى.
٣. شخصية الرسول صلّى الله عليه وآله وسيرته الثابتة على الصِّدق والتواضع والزُّهد وجدّية العبادة وحملُ كلّ أهله على ذلك بلا أن يتأثر بظروف فقر أو غنى ١، أو قوة أو ضعف، وانتصار وهزيمة دليل على صدق النبوّة والصِّلة الصادقة بالله، والبُعدِ عن الأغراض الدنيوية بصورة نهائية.
وللرّسول صلّى الله عليه وآله في سيرة أقرب المقرّبين إليه من أهل بيته عليهم السلام ٢ دليل صدق لا يردّ، فكان هذا البيت العظيم منصرفاً عن الدنيا إلى الآخرة ٣، مضحّياً في سبيل الله طِوال حياته، وفي الوقت الذي لم تكن تلوح فيه فرصة من فرص الحكم والسلطة ٤. كان هذا البيت في كلّ تاريخه يدفع أبهظ الأثمان في سبيل بقاء الدين وعزّته وثباته.