محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٥٢ - الخطبة الأولى
وكلُّ ما جاء من أسباب تستوجب أصل بعثة الأنبياء، وتنزُّل الوحي واردٌ في مسألة بقائه، واحتفاظه بأصالته وبقائه، وتوفُّره على القَدْر الكافي لقيادة الحياة البشرية في كلِّ مراحل تطوُّرِها، وتغطيتها بالتشريعات العادلة لحاجاتها المستجِدّة، ومشاكلها المتنامية.
وحتى يفِيَ الإسلام بسدّ الحاجة البشرية المستمرة للدين وتشريعاته العادلة، وحلوله الناجعة لابد له من هذه الصفات:
١. حِفظُه من التحريف: من شأنِ الامتداد الزمنيّ الطّويل منذ تنزُّل الإسلام حتى تأتي النهاية على أهل الأرض بِحَسْب ما عليه طبيعة الأحوال البشرية، وتناقض كثير من الأطماع الدنيوية مع الدِّين الحقّ، وبسبب النّظرة القصيرة للإنسان، والجرأة الجاهلية عند عدد من النفوس أن يُدخِلَ كثيراً من التحريف على القرآن الكريم، والتغييرات الجذرية التي تذهب بقيمته، وتُعكِّر صفاءه. فإذا لم يتكفّل الله عز وجل بحِفظ هذا الدين حِفظاً تامّاً ضاعت حقيقةُ الوحي ١، وظلَّت أجيال كثيرة متعاقبة وأمم كثيرة محرومة من كلمة السماء، وهُدى الوحي، ونور الدين.
والحِفظ النافع للإسلام على مستويين: مستوى النصّ، ومستوى الفهم. وبقاء النص وحده مع غياب الفهم أو اضطرابه وتهافته لا يُمثِّل ضمانة كافية لتمتّع البشرية برحمة الدِّين، والهدى السّماوي المطلوب.
والقرآن محفوظٌ في نصّه بما يبقيه ذِكْراً ونوراً وهدى لا تغيب معالمه، ولا يفقد شيئاً من مقاصده، ولا تضيع حقيقته إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ٢ وقد تقدّم الكلام في ذلك.