محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٢٩ - الخطبة الأولى
٢. عدم التخلف في الصدق لقوله تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ٤ فالقرآن الكريم محتفظ تماماً بكونه ذِكْراً لله سبحانه بما يليق به من ذِكْر، وكونه كتاب توحيد خالص ٥، وعدل تام، وهدى كامل، ونور جليّ، ورحمة واسعة، وصدقٍ وجدٍّ، وبناء صالح، وإعمار للعقول والأرواح والنفوس والحياة، وخُلُقٍ رفيع عظيم، وقيم إلاهية عالية، وفِكْرِ نيّر لا خلل فيه، وحكمة بالغة لا قصور فيها.
وكذلك لا تخلُّف في قوله تعالى لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ ... ٦ فقد بقي القرآن ذِكْراً خالصاً حقّاً، وكتاب حقٍّ لا يُشركه باطل أبداً.
بقي القرآن الكريم كما هو من أوّل يوم لا يخالط عدلَه ظلم ٧، ولا علمَه جهل، ولا توحيدَه شِرك ٨، ولا نزاهته عصبية أرضية، ولا أثر فيه للطاغوتية، ولا تجد فيه شيئاً من الانحدار الخُلُقي، ولا مكان فيه لهوى، ولا إساءةٍ لنبيٍّ من أنبياء الله، ولا تمسُّه خرافة، ولا وَهْمٌ ولا خيال. فكلُّ ذلك من الباطل وأيّ باطل لا تعثر على شيء منه في كتاب الله.
والكتاب الخالي من الاختلاف كتاب سماويٌّ خالٍ من التحريف، فالطبيعة البشرية لها انعكاسُها الواضح من خلال عملية التحريف التي يمارسها الإنسان بمحدوديّته وقصوره وتقلُّب نفسيّته، وما يعتريه من تحوّل المشاعر أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ٩.
إن لم يكن اختلافاً بالتهافت والتعارض والتكاذب، كان اختلافاً في مستوى الفِكر، وعُمْق النظرة، وصِدْق الرؤية، واختلافاً في المشاعر حسب المقتضيات المختلفة، والظروف المتقلّبة،