محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٢٤ - الخطبة الثانية
١. المأساة دامية ومؤلمة عرضت القنوات بعض لقطات لها، أمَّا الواقع على الأرض فهو أكثر دموية وإيلاماً وبشاعة، وأعان الله هذا الشّعب الصابر الأبيّ.
والتّضحيات والدّماء والجراح والآلام ثمنٌ يدفعه المظلوم دائماً حين تصطدم صرخته بروح الأنانيّة والتحكُّم والاستئثار. ولو أنصف النّاس بعضُهم بعضاً كما أَمَرَ الله سبحانه لما سالت دماء، وما تراكمت آلام، ولما شقيت أمم ومجتمعات.
وإنَّ ابتلاء العباد في الأرض سنّةٌ لله سبحانه وهي من مقتضى حكمته وعلمه بما يُصلحهم أو يفسدهم. ومن ذلك الابتلاء بالغِنى والفقر، والأمن والخوف، والشّدّة والرّخاء، والبأساء والضرّاء، وهو يعلم أنّ الضّربات إنّما تُهشِّم الزجاج، أمّا الحديد فتصقُله وتزيده صلابة، وبذلك تكون الابتلاءات في خاتمتها رحمةً بالمؤمنين، وشقاءً على غيرهم، لأنَّ إيمان المؤمن يرتفع به عن مستوى الهشاشة، ويقيه من الذّوبان، وقلبُه متّصلٌ بمعدن العِزّة والقوّة التي لو كان للقِدَم الحقّ بداية لكانت قبله، وقبل أيّ بداية، ولو كان للأبد نهاية لكانت بعده، وبعد كُلّ نهاية.
فَمَن أراد قوّة النفس، وقوة الصّبر والتحمّل، والابتسامة في أشدّ الشّدائد، والاطمئنان في أحلك الظروف فليطلُبْ كلّ ذلك من قوّة الإيمان، ونسأل الله الكريم أن يهب لنا ذلك.
المؤمنُ كالجبل الأشَمّ يبقى على طريق الله واثقاً، راضياً، ثابتاً، مؤمِناً بقيمته، شاعِراً بالرِّبح في كلّ الظّروف، لا تفعل فيه العواصف والكوارث والهزّات العنيفة إلّا مزيداً من الثّبات والثِّقة والتجذُّر، لأنّه لا يستمدّ معنويّاته من الظّروف المقيمة أو العابرة، وإنّما من إيمانه