محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٣٠ - الخطبة الأولى
وما خَلَقَ الله النّاسَ إلا لرحمتهم وكمالهم، وصلاحهم، وفلاحهم، ونجاحهم، وسعادتهم. وذلك ما يفيده قول الخالق العظيم إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ ... ٣. وأكبر الرَّحمة أن تخلُصَ النَّفسُ لله عزّ وجلّ، ويكون كلّ توجّهها إليه، وانشدادِها به، واشتغالِها بذكره، وتخلُوَ من الشوائب التي قد تحجبُها عنه، وتنفصلُ بها عن معرفته والتعلّق به. يقول ربُّنا الكريم ممتنّاً على أهل البيت عليهم السلام .... إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ٤.
فكُلَّما انشغلت النّفس بغير الله منصرفةً عنه سبحانه، وكُلَّما انفصلت عنه، واعتمدت على سواه من نفسِها أو من غيرِها انفصلتْ عن المصدر الحقِّ الذي لا ثانيَ له للغنى والرحمة والعطاء والهُدى والكمال، وفي ذلك النّقصُ والشّقاء والضلال، والتّيه والضّياع.
ومن الكلمات عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام:" في الانفراد لعبادة الله كنوز الأرباح" ٥،" دوام العبادة برهان الظّفر بالسّعادة" ٦.
وعن الإمام الرِّضا عليه السلام في بيان علّة العبادة:" لئلا يكونوا ناسين لذكره، ولا تاركين لأدبه، ولا لاهين عن أمره ونهيه، إذ كان فيه صلاحهم وقوامهم، فلو تُرِكوا بغير تعبّد لطال عليهم الأمد، فَقَسَت قلوبهم" ٧.
ولو نَسِيَ النّاس ذكرَ الله لكان نسيانهم للمَثَل الأعلى والكمال المطلق، والحيّ الذي لا يموت، والقدرة التي لا تتناهى، والعلم الذي لا يُحدّ فتسِفُّ حياتُهم، وتتميَّعُ، وتَنْفَلِتُ، وتضيع، وتنزلق، وتنحدر، وتهوي إلى بعيد.