محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٢ - الخطبة الأولى
الله عزّ وجلّ صيّر تلك الروح في قالب كقالبه في الدنيا فيأكلون ويشربون، فإذا قدم عليهم القادم عرفوه بتلك الصورة التي كانت في الدنيا" ٢. وإذا كان ذلك فتلك الأبدان من غير نوع أبداننا بما هي عليه من دم ولحم ومادة معينة، وإنما هي قوالب وصور من نوع آخر تماثل هذه الأجسام في هيئتها، ويتراءى بها الشخص كأنه كما كان في الدنيا على حدّ ما نراه في حياتنا هذه في المنام من صور من مات من حبيب وصديق. وأكل أهل البرزخ وشربهم ربما كان على حدّ تلذذ النائم بما يحصل له من حوادث سعيدة في هذه الحياة.
أما حياة المعاد فهي حياة روح وجسد، واللّذة فيها لذّتان، والعذاب أكثر من عذاب.
يقول القرآن الكريم: وَ ضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَ نَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ ... ٣.
أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ، بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ ٤.
حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَ أَبْصارُهُمْ وَ جُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ، وَ قالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ... ٥.
وفي آية أخرى: ... وَ أَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ٦.
وقد انصبَّ تساؤل منكري البعث على إعادة البدن كثيراً فكانت الإجابةُ القرآنيّة على هذا الاستبعاد واضحةً جلية.
والحياة البدنيّة هناك حياة غنيّة ثرّة دفّاقة في طهارة وسمو، وتتمتّع الأسماع والأبصار والجلود يوم القيام بالقُدرة على أداء شهادة عادلة منصِفة حقّة على أصحابها تَنطقُ بها في حيادٍ تام بإقدار من الله المقتدر العدل الجبّار.