محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٩٠ - الخطبة الأولى
تتفاوت العبادةُ قدراً وأجراً حسب نيّتها، وإن كانت بصورة إجمالية قد جاء بها العابد امتثالًا لأمر الله. فهذا الامتثال يمكن أن يكون لطلب الثواب الموعود، ولولاه ما كان امتثال، وقد يأتي فِراراً من عقوبة الله التي توعّد العاصين عليها، ولو وجد العبدُ مأمناً من ذلك العذاب لما أتى بالعبادة. وهناك امتثال آخر لا نَظَرَ للعابد منه إلى ثواب أو عقاب، وإنّما يدفعه إليه معرفته بحقّ الله، وواجب شكره لنعمه، وعميقُ حبّه له.
ويُسقِط الامتثال من النوعين الأولين التكليف، ويتفضّل الله تبارك وتعالى بمثوبة منه عليه. أمّا الفضل الأكبر، والشّرف الأعظم، والمثوبة الفائقة فللامتثال من النوع الثالث. وهو العبادة التي ليس فوقها ولا مثلها عبادة.
والأحاديث تقول عن عبادة منطلقُها خوف العقاب بأنها عبادة العبيد، وعن عبادة منطلقها طلب الثواب بأنها عبادة التجّار، أما العبادة الثالثة وهي العبادة عن الحبّ والشكر فهي عبادة الأحرار الذين لا توجّههم العصا، ولا تستقطبهم الجزرة، ولا تملكهم المادة.
عن الإمام علي عليه لاسلام:" إنّ قوماً عبدوا الله رغبةً فتلك عبادة التجّار، وإنّ قوماً عبدوا الله رهبةً فتلك عبادة العبيد، وإنّ قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار" ٤.
وعن الصادق عليه السلام:" إنَّ النَّاس يعبدون الله عزّ وجلّ على ثلاثة أوجه: فطبقة يعبدونه رغبةً في ثوابه فتلك عبادة الحُرصاءِ وهو الطمع، وآخرون يعبدونه فَرَقاً ٥ من النّار فتلك عبادة العبيد، وهي الرهبة، ولكنّي أعبده حبّاً له عزّ وجلّ فتلك عبادة الكرام وهو الأمن؛ لقوله عزّ وجل ... وَ هُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ٦، ولقوله عز وجل قُلْ