محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٨١ - الخطبة الثانية
وسجوده والعقول غافلةٌ، والقلوب لاهيةٌ، والنفوس مستكبرة فإنّه لا يصنع قوّة، ولا عزّة، ولا يُعطي النّفس زاداً تصمد به أمام التحدّيات.
فإذا أراد أحدنا أن يكون القويّ العزيز حقّاً فليجاهد النفس على الخضوع في داخلها لمصدر القوّة والعزّة الذي لا مصدر معه لشيء من ذلك على الإطلاق. ولا حول ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم.
وإنَّ مَنْ عاشوا عزَّة الذات لِصِدْقِ عبوديتهم لله، وشعورهم بمعيّته لهم، لا يمكن أن يعدلوا بها شيئاً من عزّة الخارج بمال أو جاه أو سلطان وإن عظمت تلك العزّة الخارجية في عين ناظرها، ولا يمكن أن يستبدوا عن لذّة عزّتهم الإيمانية بأيّ لذّة أخرى. يقول القرآن الكريم عن النبيّ يوسف عليه السلام قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ... ١١.
وكانت دعوة النّسوة إليه لِلَّذة المحرَّمة، ومعها حياة القصور والمال، وكان الحبُّ الشيطاني لزوجة الملك ليوسف عليه السلام سُلَّماً بيده للتسلّق إلى أعلى المناصب الدّنيوية لو أراد. إنها دعوة للدّنيا ولذائذها وعزّها الظاهري ومواقعها الكبيرة؛ لكنَّ عزّ الطاعة لله الذي كان يَغنى به يوسف عليه السلام، وذُلَّ المعصية الذي كان يحذره، يجعله يفِرّ مما عُرِض عليه من لذّة الدنيا وعزّها ومغرياتها، ويقدِّم ضيق السجن، وطول المحنة على تلك العروض ١٢، ويلجأ إلى الله من الرّكون للمغريات والعزّ واللذائذ التي تفصله عن ربّه، وتحرمه ذكره، وتفقده الشعور برضاه، وتدخله في سخطه.
والنفسُ الواعية لا يمكن أن تشعر بعزٍّ ولا لذّة وهي محلّ سخط الله العظيم.