محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٨٩ - الخطبة الأولى
وعنه عليه السلام:" إنَّ النفس لأمَّارة بالسوء والفحشاء، فمن ائتمنها خانته، ومن استنام إلهيا أهلكته، ومن رضي عنها أوردته شرّ الموارد" ٣.
والتعبير بأمّارة في الآية الكريمة والحديث يعني الإلحاح والمبالغة من هذه النفس في أمرها بالسوء، والإصرار والمداومة عليه، وبذلك يكون في الاطمئنان إليها، والغفلة عن مكرها وخداعها، والثقة بها الهلاك بالوقوع في حبائلها، والانجرار إلى ما تشتهيه مما لا يبقي ديناً، ولا يسلم معه شرف، ولا تُدرك به غاية حميدة، ولا نجاة فيه من سخط الله وسوء المصير.
فالنفس تحتاج حتى يُسلَم من شرّها إلى حضور عقل، وشدَّة وعي، وطهارة قلب، ونقاوة روح، وقوّة دين، وتذكّر دائم لقدرة الله، وجميل منّه، وعظيم رقابته. تحتاج النفس لتستقيم إلى حراسة لا استنابة، ويقظة لا غفلة، وحزم لا استرخاء.
والنفس تُحبّ وتكره، وقد تصيب فيما أحبّت أو كرهت، وقد تُخطئ فلا تُساير على كلّ حال، وإنما على الإنسان أن يختار لها ما نفع، ويمنعها مما هو ضارّ، والخيار الرّاشد ما كان في ضوء العقل، والفطرة السليمة، والدّين القويم. ويصف الإمام زين العابدين عليه السلام النفس الأمّارة بالسوء كما في المناجاة عنه:" إلهِي إليْكَ أَشْكُو نَفْساً بِالسُّوءِ أَمَّارَةً، وَإلَى الْخَطيئَةِ مُبادِرَةً، وَبِمَعاصِيكَ مُولَعَةً ٤، وَلِسَخَطِكَ مُتَعَرِّضَةً، تسْلُكُ بِي مَسالِكَ الْمَهالِكِ، وَتَجْعَلُنِي عِنْدَكَ أَهْوَنَ هالِك، كَثِيرَةَ الْعِلَلِ طَوِيلَةَ الامَلِ، إنْ مَسَّهَا الشَّرُّ تَجْزَعُ، وَإنْ مَسَّهَا الْخَيْرُ تَمْنَعُ، مَيَّالَةً إلَى اللَّعِبِ وَاللَّهْوِ، مَمْلُوَّةً بِالْغَفْلَةِ وَالسَّهُوِ، تُسْرِعُ بِي إلَى الْحَوْبَةِ ٥، وَتُسَوِّفُنِي بِالتَّوْبَةِ" ٦.