محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٩٠ - الخطبة الأولى
النفس تملك من الألاعيب والخدع، والقدرة على الالتفاف، والمراوغة، والتزيين الكاذب، والتقبيح الزائف ما يحتاج إلى ملاحقة دائمة واعية، مع الاستعانة بالله، وطلب عصمته فلا عاصم سواه، ولا هادي غيره. النفس تملك كل ذلك في الأخذ بصاحبها للباطل، وصرفه عن الحقّ، ودفعه للشرّ، وتثبيطه في الخير، وحرفه عن الصلاح.
وللنفس اللوّامة شأن كبير وقيمة عالية، ودور بنّاء حميد للذات وَ لا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ٧." عن ابن عبّاس في قوله تعالى بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ التي تلوم على الخير والشر تقول: لو فعلت كذا وكذا" ٨. معنى ذلك أنها تلوم على الاستقلال من الخير ٩، والإكثار من الشرّ، وأصل مواقعته.
وعن رسول الله صلّى الله عليه وآله في وصيّته لابن مسعود:" يا بان مسعود؛ أكثر من الصالحات والبرّ فإن المحسن والمسيء يندمان: يقول المحسن: يا ليتني ازددت من الحسنات، ويقول المسيء: قصّرت. وذلك قوله تعالى وَ لا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ" ١٠.
وإذا عزّت علينا أشياؤنا فدعانا ذلك إلى العناية بها وإصلاحها، والوصول بها إلى أرقى ما يمكن أن تكون عليه، فلتعز علينا نفوسنا بالدرجة الأولى قبل ما نملك من شيء، وبصورة أكبر وأعظم، ولنولِها من العناية والرعاية ما لا نوليه حتى لبدننا لأنها الأبقى وهي حقيقتنا، ولنرحمها بتزكيتها بما زكّى به الصالحون أنفسهم من الأخذ بمنهج الله وطاعته وعبادته، وتجنّب معصيته ١١، ولنأخذ بما هدى إليه أولياؤه، ونتجنّب ما دعا إليه أعداؤه، وليكن حبّنا لما أحب، ومن أحب، وبغضنا لما أبغض ومن أبغض، فهذا هو طريق كمال النفس ونجاتها وسعادتها، ومن دونه ليس إلا الخسار والبوار، والعذاب والنّار.