محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٢٥ - الخطبة الأولى
فعن علي عليه السلام:" إن أعظم الحسرات يوم القيامة حسرةُ رجل كسب مالًا في غير طاعة الله، فورثه رجل فأنفقه في طاعة الله سبحانه فدخل به الجنّة، ودخل الأول به النار" ٩.
إنه رجل طلب المال من غير حِلِّه فاجتمع له ما اجتمع منه حتى خَلَّفه فورثه رجل لا يعلم بحرمته، فوضعه في المواضع التي تُقرِّبه إلى الله فكانت النتيجة أن الأول اشترى للثاني جنّة بما سبّب لنفسه من نار، وجعل حياته جسراً لناره وشقائه، وطريقاً لجنّة الآخر، وما يلقاه من موفور النعيم.
وعن الإمام الصادق عليه السلام:" إنَّ أعظم النّاس يوم القيامة (حسرة) من وصف عدلًا، ثم خالفه إلى غيره" ١٠.
هذا الإنسان اهتدى طريق الجنَّة، وتوفَّر له تشخيصه إلّا أنه خالفه إلى غيره على علم وعمد فقدَّم النار على الجنة مختاراً عالماً قاصداً. فالعدل الذي وصفه طريق قاصد إلى الجنّة، ولكنّه خان نفسه وأهلكها حين اختار الظُّلم على العدل، والجور في النّاس فحينما يواجه العاقبة الأليمة المخزية، ويتذكر سوء اختياره، وقبح ما فعل بنفسه عن علم وعمد، وما نصح به الآخرين من طريق نجاة وفوز وانحدر عنها ليكون أكبر غاشٍّ لنفسه تتقطع نفسه حسرات، ويعظم ندمه، وتكبر فاجعته.
وعن رسول الله صلّى الله عليه وآله:" إن أشدّ النّاس ندامة يوم القيامة رجل باع آخرته بدنيا غيره" ١١.
غباءٌ كبير، وندامة عظيمة تصغر أمامها سائر الندامات بأن يرتكب الشخصُ المحرَّمَ، ويدخل في الإثم، ويعين على الباطل، ويشترك في الظلم وهو في ذلك كلّه يُشيد دنيا الغير، ويذود عنها، ويحافظ عليها وإن يكن له منها شيء فهو الفُتات والفضلة، فيكون قد أعطى