محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٢٤ - الخطبة الأولى
نفسه أوزاراً، واكتسب إثماً كبيراً، وضيّع حقّ مالكه الحقّ، وخالقِه المنعم، ورازقه المتفضّل، وعاث في الأرض الفساد وقد ولّى يوم العمل، وذهبت كلُ فرصة للتدارك، وقام يوم الحساب، ولا سبيل لعودة دنيا، وقد سُدَّ كل باب؛ ماذا تملك هذه النفس البائسة اليائسة التي ليس أمامها إلا العذاب غير أن تقولَ يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا وإن كان سبيل تكاليف، وبذلٍ، وتضيحة، وصبر، ومصابرة، وجهاد وأخطار. ٦ فكل ذلك قليل عند فوز الفائزين ممن أطاع الله، وكلّ الدّنيا، وزينتها، وما تعرفه من لذائذ زهيدةٌ عند خسارة الخاسرين، وعذاب أهل النار ممن عصاه.
أن تقول يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا أيّ فلان كان ظالما، وأيّ فلان كان مضِلًا، وأيّ قائد قاد إلى النار، ومزيّناً للباطل، ومزهّداً في الحق، ومبعِّداً عن الدّين والطاعة، ومقرّباً من الانحراف والمعصية وإن أعطى وأكرم، وبذل وأنعم، وأعزّ وقرّب، ووقى وحمى ودافع ونافح ٧.
فإنَّ كلّ ذلك لا يساوي شيئاً من جريمة المصير الأسود الذي قادني إليه، والحرمان الهائل الذي سبّبه لي، والعذاب الأليم الذي أوقعني فيه.
وما قيمة ليت يوم القيامة وقد طويت الصحف، وجفّ القلم، وأدبرت الفرصة، وفات الأوان، وقام الحساب، ونُصِبت الموازين، وأحضرت النّاس لجنّة أو نار؟!
إن الظالم ليعضّ يوم القيامة على كلتا يديه وليس على أصبع ندامة واحد ٨ لأن مأساته أكبر مأساة، وكارثته أعظم كارثة، وندمه لا ندم مثله في الدنيا، وحسرته لا تعدلها كل الحسرات.
وكلُّ حسرات يوم القيامة قاسية على النَّفس وفوق ما تطيق، ولكنّ من الحسرة ما هو أكثر قسوة كما تفيده طائفة من الأحاديث والكلمات عن المعصومين عليهم السلام.