محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٢٢ - الخطبة الأولى
أما بعد أيها المؤمنون والمؤمنات فإن الإنسان في الحياة قد يعرف طعم الحسرة، ويذوق مُرَّ الندامة لساعة فراغ تمرّ عليه لا يستثمرها، أو لأخرى يملأها بعمل تعقبه خسارة، أو يُدخل عليه الضّرر في ماله أو صحته، أو شرفه، وفي ما يهمّه.
وقد يعقب النّدامةَ الدخولُ في رفقة واختيار طريق، وتقديم انتماء أكسب أرباحاً ماديّة هائلة، وكان انفتاح بابه يُمثِّل فرصة مغرية، ولحظة سعادة كبيرة غامرة.
وكثيراً ما يبحث الإنسان عن أمانيّ فيها هلاكه، وسُبل فيها مشقّته، وعلاقات فيها شقاؤه، وكثيراً ما يفرّ مما فيه خيره، ويولّي عمّا فيه صلاحه.
وقد يُصرّ على اختيار ما فيه خسارة ماله، أو ضياع شرفه، أو تلف نفسه رغم النُّصح والتبصير، وحسن المشورة.
وقد يقعُد عمّا فيه كلّ نجاحه وإن نُصِح وبُصِّر واستُنهض.
والندامات تتفاوت، والحسرات تختلف إيلاماً ومرارة وعُمقاً ومكثاً وإقامة. وقد يستولي بعضها على الشّعور ساعة، وبعضها يوماً، وبعضها أياماً، وقد يُقيم بعضها في النفس عُمُر المرء كلّه.
ولكن ليس من ندامة ولا حسرة كالتي تترتب على خسارة الحياة، ويعقُبُها دخول النار وفوات الجنّة. ذلك لأنّ الخسارة أكبر خسارة، والتفريط أعظم تفريط، والعاقبة أسوأ عاقبة. إنّها الخسارة التي لا قيمة لأيِّ ربح معها ٢، والفرصة التي لا تتكرّر، والعاقبة التي مرارتها أشدّ مرارة، وأعمق أثراً، وأطول إقامة، وأشدّ حضوراً، وأعظم استيلاءاً على وجدان صاحبها من كل ما يفترض من مرارة.
وقد نبّه الإسلام على عظيم حسرة يوم القيامة، وأنذر وحذّر، ووعظ ونصح وبصّر ولكن أكثر النّاس لا يعقلون.
ومما جاء في ذلك: