محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢١٩ - الخطبة الأولى
والأرض لا تنفصل في حياتها عن عطاءات السماء، وكل شيء في الأرض مسترفد لفضل الله دائما حتّى يبقى، وهو في تعلّق دائم وعبادة مستمرة له سبحانه من أجل خيره وبقائه.
والعقول والقلوب والأرواح في وجودها التكويني على حدّ كل الأشياء الأخرى في استعطاء الوجود والحركة والتأثّر والتأثير من الله الذي لا تجد مصدر عطاء غيره.
وحتى تَرْشُدَ العقول وتهتدي الهدف والمسار، وتتلقّى القلوب تمام هدايتها، وتحيا حياة طيبة وترقى، وتطهر النفوس وتزكو، ويكون الإنسان على طريق غايته، ويتحقق له الهدف من حياته لابد لإرادته من عبادة بارئه ٣، والاستجابة له في أمره ونهيه، وملازمة طاعته، وأن لا تميل إرادته في العبادة عن بارئه، ولا تقع في الشرك به، وأن تخلص في توحيده.
ولما كانت عبادة الله وتوحيده الطريق الوحيد لتكامل الإنسان، ونُضْج إنسانيته، وهداه ورشده، وبلوغ غايته، وتحقُّق سعادته، ولا طريق لذلك غيرُ هذا الطريق كانت العبادة غايةَ الخلق ٤، ومنتهى خير العبد، والمنّة الكبرى من الخالق، ومن وُفِّق إليها فقد عظمت عليه النعمة، وربح الحياة، وضمن الفوز، ووجب عليه الشكر العظيم الدائم المقيم.
وفي الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام:" قال الله تبارك وتعالى: يا عبادي الصدِّيقين تنعّموا بعبادتي في الدنيا فإنكم تتنعمون بها في الآخرة" ٥.
إنَّ النفس التي تأهّلت للعبادة حقّ التأهّل، وانفتحت على موائدها، وسمت إلى أفق معناها ترى فيها لذّة لا تعدلها لذّة ٦، وحاجة لا تستطيع أن تنفصل عنها، وغذاء عقل وقلب وروح ونفس لا يهنأ عيش بدونه ٧، ومردود العبادة اليوم نعم كبرى جليلة عظيمة في الآخرة، وأعظمها لذّة القلب بمعرفة الله، ومعاينته له، وامتلاؤه شعورا برضاه، وغناه بتوحيده.