محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٠٧ - الخطبة الأولى
إذا حكم النفسَ الطمع، هدم فيها الورع، ولو قطنها الورع، لذهب عنها الطمع. فهما صفتان متضادّتان لا يجتمعان في نفس. فمن أراد أن يحتفظ بالورع فليحترس من تسلُّل الطمع؛ فإنه كما جاء عن الإمام علي عليه السلام" قليل الطمع يفسد كثير الورع" ٨.
٣. ومن كلماته عليه السلام" من لم ينزّه نفسه عن دناءة المطامع فقد أذل نفسه، وهو في الآخرة أذلّ وأخزى" ٩.
من الصّفات ما يزين النفس، ويرتفع بقدرها، ومنها ما يَشينها، ويهبط بمستواها، والطّمع مما تقبُح به النفس، وتنحطّ، وتزِلّ القدم.
وهو يأخذ بصاحبه إلى الدناءة، وينتهي به إلى الحقارة؛ فمن همَّه شرفُه لم يسمح للطمع أن يغزوَه.
وإلحاح الطمع على النّفس، وتسلّط الرغبات الدنيوية عليها بما يغيّب العقل والدين، ويُخرس الضمير، ويميت الإحساس بالشرف يجعلها تطلب الرغبة وإن كان بالذُّل والهوان والانسحاق، وتساوم بكلّ شيء من أجل الدنيا ولذائذها الصّغيرة، حتّى تهون أمام أدنى رغبة، وأقلّ شهوة، وأزهدَ عَرَض، وأدون فُرصة.
ومن ذلّ كلّ هذا الذُّل الذي يهوي به إلى الحرام، وبيع الدين فهو في الآخرة أذلُّ وأخزى.
٤. ومن كلماته عليه السلام" عبد المطامع مستَرَقٌّ لا يجد أبداً العتق" ١٠.
الطمع يُخرج الإنسان من فضاء الحرية إلى قفص العبودية، ويملك عليه عقله ودينه وشعوره وقراره وعلاقاته وخيارَه وحركتَه. فاستعباده له استعبادٌ مُحكَم قاس، ورقّه له دائم لا عتق معه ما دام في نفسه مقيما.