محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٤٢ - الخطبة الثانية
وهذا المنطق لا يمكن أن تقوم عليه حياة، أو يُبنى مجتمع، أو تستقرّ أوضاع، أو أن يؤوب بالناس إلى رشد.
هذا المنطق يمكن له أن يهدم حياة، أو يُحطِّم أجساداً، أن يرهق أعصاباً، أن يهدم مجتمعاً، أن يُبعثر بناءاً، أن يقلق نفوساً، أن يخيف ويرعب ويفزع، أن يزرع بغضاء، أن يولّد أحقاداً، ويستحيل عليه أن يبنيَ ائتلافاً، أن يجمع شَتاتاً، أن يُنعش اقتصاداً، أن يُكسب مودّة، أن يؤسّس لحياة مريحة، وأمن مقيم، وشرعية على الحقيقة.
هذا المنطق يمكن له أن يُخفِّض الصوت الآخر أو يسكنه إلى وقت قصير أو طويل، ولكنّه يعمّق المشكل، ويوسّع الفجوة، ويبعد الشقّة، ويكثف من أسباب الانفجار، ويؤلّب على صاحبه بفعل حكومة الضّمير.
هذا المنطق لا يمكن أن يُسقط قيمة الحقوق، ولا يملك أن يُنسيَها، أو يلغيها، أو يعالج مخاطر التنكّر لها وإهمالها، أو يقبر إلى الأخير الصوت المجاهر بها. فالحاجة إلى الإصلاح ومقتضياته تبقى على ماهي عليه، والمطالبة بها لا تسقط، والمزيد في التدهور والفساد لابد أن ينتهي إلى نتيجته الحتمية من السّحق والدّمار للجميع كما في كلّ الدنيا، وكلّ التاريخ، إذ يستحيل أن تستوي نتائج الفساد والصلاح، والخطأ والصّحيح، والاستقامة والانحراف، والأخذ بما هو حقّ، وماهو باطل، فكلّما افترق الطريق والاتجاه من دون لقاء لابُدّ أن تفترق النهاية.
وإنّ للبغضاء يشتريها شخص أو دولة لثمناً، ولشراء المودّة ثمن آخر. الإساءة والظلم ثمن تُشترى به بغضاء الخلق، والإحسان والعدل ثمن للمودة.