محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٥ - الخطبة الأولى
وبعد أنْ كان الأمرُ بالمعروف، والنهيُ عن المنكر وظيفةً كبرى من وظائف الرُّسل، ودوراً بارزاً من أدوارهم، وتكليفاً إلاهياً ثابتاً صار هذا الأمر والنهي مشرِّفَين لكل من التزم بوظيفتهما، وأدّى حقَّهما بتفانٍ وإخلاص ٣.
ثانياً: أمَّة الأمر بالمعروف:
وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ٤.
الآية فيها احتمالان مِنْ جهة (من) في لفظ (منكم) وأنها بيانيَّةٌ أو للتبعيض، وبغضّ النظر عن ترجيح أحد الوجهين تثبت الآية الكريمة سمة لازمة من سمات هذه الأمّة وتكليفا من تكاليفها، ودوراً من أدوارها الصَّالحة الفاعلة في الأرض على مستوى داخل الأمَّة وخارجها ٥ وهو دور الدّعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إقامةً للحق، وإماتةً للباطل.
ومسؤولية هذا الأمر والنهي مسؤوليةٌ تتحمّلها الأمَّة، وإذا كان من جماعةٍ معيّنة تعدُّ بصورة متميّزة للقيام بهذه الوظيفة بدرجة مركَّزة فإعدادها، وإمدادها، وحمايتها، وتكميل نقصها، وتدارك قصورها مسؤولية عامّة مشتركة، ودورها المتميّز لا يُلغي مسؤوليةَ أيّ قادر في سدّ الثغرات المتبقيّة، وملأ الفراغات المتروكة، وتدارك التّقصير أو القصور الذي قد تقع فيه تلك الجماعة ٦.
ويوم أن تتخلّى أمّة الإسلام عن وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تكون قد تخلَّت عن سمة أصيلة من سماتها وواجبٍ حتميّ من واجباتها، وانسلخت من الهُويّة، وضيَّعت الانتماء، ونسيت دينها القويم.
ولابدَّ لقارئ الآية الكريمة المتقدِّمة من الالتفات إلى ربطها بين التزام الأمَّة الدعوةَ إلى الخير والأمرَ بالمعروف، والنهي عن المنكر وبين تحقيق الفلاح والنَّجاح في أولاها وأخراها. وعند