محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦١٦ - الخطبة الأولى
وعنه صلوات الله وسلامه عليه وآله:" لما جاءه قوم فسألهم: ألكم طعام؟ قالوا نعم، قال: فلكم شراب؟ قالوا نعم، قال: وتبرّدونه؟ قالوا نعم قال: فإن معادهما كمعاد الدّنيا، يقوم أحدكم إلى خلف بيته فيمسك أنفه من نَتنِه" ٥.
الأحاديث الثلاثة تُقدِّم صورةً ناطقة عن الدُّنيا في واقعٍ حسّي ملموس، ومَثَلٍ معاش لا يمكن لإنسان إنكاره، وليس فيه من صعوبةٍ تمنع من فهمه، وتُبطّئ من إدراك مرماه. يُعطيك صورةً شاخصة عن الدّنيا مكشوفة لا تحتاج إلى تفحُّص، ولا تُكلِّفك وقفةَ تأمُّلٍ واستيعاب إلّا لتتمثَّل درسَها شعوراً، واستيقاظَ نفس، وانتفاض إرادةٍ للتحرّر من غرور الدّنيا، وهزيمةِ سحرها، وكسر القيد، والانفلات من الأسر.
وهكذا هي كلمات الرسول وأهل بيته صلّى الله عليه وعليهم أجمعين حكمة، وعمق، وسلاسة، ووضوح، ودروس صدق ثرّة يستقيم بها أمر الإنسان والحياة.
والملاحظ أن الأحاديث الثلاثة قد جعلت المطعم والمشرب المُطيَّبَ المؤنّق في مظهره هذا، ومنتهاه مَثَلًا، والدُّنيا ممثّلًا له، والمثل لاحق للمثَّل له في القبح والجمال والنقص والكمال، والكراهة والروعة، وما يُمكن أن يكبُر الآخر إنما هو الممثّل له لا المثل الذي يُقرّب ما عليه الممثّل له من صورة ٦.
فإذا كان ما يؤول إليه الطعام والشراب مؤذيّاً منفِّراً يتوارى به، ويُفرّ منه، فإن ما يؤول إليه الانكباب على الدّنيا والولعُ بها، وانصراف الهِمَّة للتكاثر منها أشدُّ إيلاماً وأذى وسوءاً، والنفس منه ستصير أشدّ وحشة، ونفاراً وفراراً يوم يُكشف الغطاء، وتظهر الأمور المستورة على حقيقتها، وتُعلن السرائر.