محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦١٧ - الخطبة الأولى
وما تبنيه الدّنيا بدنٌ هو في نهايته جيفة لا يصبر الأحياء على ريحها ٧، ومنها يهربون. وحبُّ الدنيا يُقيم في النّفس ٨ أفكاراً عدوانية مظلمة، ومشاعر خسيسة ساقطة، وإرادة سيّئة مفسدة، ونيّات سوداء كالحة، وعلاقات مهتزّة خادعة، وفساداً شاملًا داخل الإنسان وخارجه.
وهذا كلُّه ينتهي بصاحبه إلى وجود ساقط بلا قيمة في ميزان الحق والعدل عند الله، مكانه النار يُلقى فيها رخيصاً مهيناً مطروداً، منبوذاً كأتفه ما يكون. نعم هكذا ينتهي بأحدنا جنون الدنيا وهوى جمع المال وتكديسه تقديساً لها واعتماداً عليها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ، الَّذِي جَمَعَ مالًا وَ عَدَّدَهُ، يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ، كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ ٩، وَ ما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ، نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ، الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ، إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ، فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ١٠.
هذه هي الدنيا لمن اتخذها معبوداً من دون الله عزّ وجلّ، وقدَّمها على الآخرة، وربط مصيره بها، وباع النفس عليها، ولكنَّها المرتقى، والمفاز، وميدان التنافس في الخيرات، ومعراج الرُّوح، وسرّ السعادة لمن أقبل فيها على ربّه، وعمل فيها لآخرته، وخالف هواه، وأطاع مولاه، وقضاها جهاداً في سبيله، وجّدَّ في سعيه العبادي الشامل إليه.
وما درجات النعيم في الجنة، ومنازلُ الكرامة في الآخرة إلّا من درجات الطّاعة لله تبارك وتعالى في الدّنيا.
والدُّنيا على طريق طاعة الله تأخذ المادةُ فيها دوراً بنّاءاً، وقيمة معنوية عالية ١١، وهدفاً كريماً، وتُكسِبُ عاقبة حميدة جليلة بما تتحول إليه من طاقة تنتهي إلى فكر يعيش رؤية