محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٤ - الخطبة الأولى
فحياة الآخرة حافلةٌ بأنواع اللّذائذ البدنية في أرقى مستوى لها، وأنقى صورة، وأكثر مِتعة، وأشدَّ روعة، وأحسنَ مردوداً، وأبعدَ حالًا عن أيّ تأثير سيء، وهي لذائذ لا يمكن أن تُقاس لذّةً بما عهِده أترفُ إنسانٍ في هذه الحياة، وذلك في جوٍّ هانئٍ نظيف طاهر، ووضع لا همّ فيه ولا حزن ولا قلق ولا خوف ولا اضطراب ولا إساءة، ولا شهوةَ تفقد طيّبا، ولا أمنية خير لا تلقى إجابة، ولا انقطاع لنعيم.
ولذّات المادّة في الآخرة على غزارتها وشدّتها لا تُغيِّب وعياً، ولا تُلوّث روحاً، ولا تُقلّل من حضورها، ولا تأخذ من لبّ الإنسان، ولا تصرفه عن ذكر ربّه. وكل لذّات المادة على بلوغها قليلٌ عند لذة الرّوح وهي تشعر بمرضاة الله عنها؛ فتعظُم شأناً بهذا الشعور، وتكبُر ثقة، وتسعدُ حالًا، وتأمن محذوراً، وتسكر لذّة، وتنجو من هاجس سوء، وتفيض رضى، وتغنى طُهراً ونقاءً وصفاءً، وتلئلؤاً ونوراً وجمالًا.
نَعَم لذةُ المادة هناك لا تُلهي ولا تغوي، ولا تُسيء ولا تُردي، ولا تُقلّل من شأن، ولا تُسقط في غفلة، ولا تُطفئ نور قلب، ولا تُعكِّر صفو روح، ولا تقطع عن جمال الله يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَ لا تَأْثِيمٌ.
حياة كلها سعادة بلا شقاء، جمال بلا قبح، خير بلا شر، صفاء بلا مكدّرات. لا جانحة من إنسان الجنة تشتغل بقبيح، ولا جارحة تقترب من منكر، ولا حس يقع على ما يضير. لا تذوق مرّاً، ولا ترى قبيحاً، ولا تسمع أذى، ولا ملمس إلا ويريحك، ولا منظر إلا ويسرك، ولا كلمة إلا وتنعشك، ولا فعل إلا ويرضيك، ولا وجه إلا ويلقاك بالبشر والنور. لا يغيب عنك هناك الجمال، ولا يقتحم على حياتك لحظة القبح.