محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣١٢ - الخطبة الثانية
الحملة المنظّمة للتحريف والتشويه، ويعود بالأمة إلى شيء من رشدها، وكل ذلك في وسط من الحصار الفكري والنفسي والأمني والسياسي، وحالة الرعب التي كان يفرضها النظام.
وقد استطاع الإمام عليه السلام أن يؤسس لحركة وعي جديدة وصحوة في فكر الأمة وضميرها ويمهد لحركة الإمام الباقر عليه السلام العلمية الواسعة، ويصون الإسلام من الضياع مستفيداً من حرارة دم سيد الشهداء التي لا تنطفئ، ومن إمكانات العصمة الهائلة. وما كان لتلك المآسي والتحديات من رجل يستطيع أن يعالج الوضع برغم كل ما كان تفرضه من ضغوط، إلا المعصوم عليه السلام.
أقوياء ولكن:
يصرُّ كثير من الحكومات في البلاد الإسلاميَّة العربية وغير العربية على أن تكون قويَّة بالغة القوّة، مهيبة شديدة الهيبة في صدور شعوبها، تملأ قلوبها رُعباً وهلعاً، نافذة الكلمة بلا نقاش، ماضية الحكم بلا إبداء ملاحظة، صارمة السّيف على الرّقاب، بطّاشة عند أي مبادرة احتجاج على ظلم فاضح.
ولكنَّ الشعوب تغيّرت بعض تغيّر بعد طول غيبوبة وسبات فلم تبقَ صالحة بما يُريح المتسلطين كلّياً كما كانت لأن تسمع من الحكومات وتنفّذ ما يراد منها دون أدنى مناقشة، وأن تُسرق وتنهب من دون اعتراض، وتُقتل وتعذّب من دون أن تثأر لنفسها على الإطلاق، وأن تباع ويباع معها دينها وعزّتها وانتماؤها وكلّ مقدّساتها لحساب الحكّام من دون أن تنبس ببنت شفة، وأن تُهدى أرضها وثرواتها لأعدائها من غير أن يكون لها رأي، وأن يتصرف فيها الحاكمون تصرّف المالك في ملكه ومن دون إرادة، وأن تَعتبر الحكامَ ملّاكاً حقيقيين وهي شيئاً من المتاع.
وإنّ الشعوب الإسلامية وبعد تعطيل طويل لشعورها بذاتها الحضارية وانتمائها الكريم للإسلام العزيز، وانفصالها الكبير في مساحة واسعة من حياتها عن خطّ هذا الانتماء، وذلك