هدى الطالب في شرح المكاسب - المروج الجزائري، السيد محمد جعفر - الصفحة ١٨١ - حقيقة الإكراه، و ما يعتبر في صدقه
ناشئة عن دفع الضرر. و ليس (١) دفع مطلق الضرر الحاصل من إيعاد شخص
أو جلّها تصدر لدفع الضرر عن النفس أو عمّن يتعلّق بها، كبذل المال للطعام و الشراب دفعا لضرر الجوع و العطش، و شراء الأدوية لعلاج المرض، و كذا الحال في شراء الألبسة للاتّقاء من الحرّ و البرد، و شراء الدار للسكنى فيها، و من المعلوم خروج هذه الموارد أيضا عن حدّ الإكراه موضوعا.
(١) غرضه من هذه العبارة التنبيه على ما تقدم آنفا من اعتبار الإتيان بنفس ما اكره عليه، فلو أتى بمقدمته لم يتحقق الإكراه الموضوع للأحكام. كما إذا أكرهه الظالم على دفع مال إليه، و لم يقدر على دفعه إليه إلّا ببيع داره و دفع ثمنها إليه، فإنّ بيع الدار صحيح، لعدم ورود الإكراه عليه، بل الإكراه ورد على دفع المال. فهذا الإكراه لم يسقط المكره عن الاستقلال في التصرف، بل له التصرف البيعي و عدمه.
و الحاصل: أنّ الإكراه لا بد أن يتعلّق بنفس بيع الدار حتى يكون بيع المكره صادقا عليه. و حينئذ يختار الفعل من باب حكم العقل بوجوب دفع الضرر عن نفسه أو عرضه أو ماله، أو عن غيره المتعلق به، بحيث يعدّ ضرره ضررا عليه، ففعل المكره لا يخرج بالإكراه عن أفعاله الاختيارية. لكنه يصدر عنه بغير طيب نفسه، لأنّ النفس كارهة لفعل ما يحمّله غيره عليه، مع الإيعاد على تركه بضرر يشقّ عليه تحمله.
و هذا بخلاف ما يفعله لدفع الضرر، لكنه مع الاستقلال في فعله، كبيع ماله لدفع الجوع، أو لأداء دينه، أو لدفع ظلم الجائر الذي يريد أن يأخذ منه مالا بدون أن يجبره على بيع داره، فإنّه يختار البيع دفعا للضرر الجوعي مثلا، و يطيب نفسه بذلك.
بخلاف ما إذا أنشأ البيع عن إيعاد الظالم على تركه، فإنّه لا يطيب نفسه بحمل الغير إياه على البيع. و إن كان اختياره له لأجل دفع الضرر، لكنّه مقرون بإيعاد الغير.
و بالجملة: فالبيع مثلا إن كان لدفع الضرر الناشئ عن إيعاد الغير كان صحيحا، و هو المسمّى بالمضطرّ إليه. و إن كان لدفع ضرر المكره، لم يكن صحيحا، و هذا هو المسمّى بالمكره عليه. فاتّضح الفرق بين الإكراه و الاضطرار.