هدى الطالب في شرح المكاسب - المروج الجزائري، السيد محمد جعفر - الصفحة ٥٨٤ - المبحث الثالث اعتبار التنجيز
و الاختلاف الاعتباري. ففي المثال يكون إيجاب الصلاة و وجوبها بعد بناء المسجد، فلا إيجاب و لا وجوب قبله.
نعم آلة الإنشاء- و هي اللفظ الخاص مثل «بعت»- توجد فعلا وجودا تكوينيّا، و هذا الوجود أجنبي عن الإيجاد الاعتباري الذي هو مفاد الإنشاء.
و قد ظهر مما ذكرنا- من كون الإنشاء إيجادا اعتباريّا تابعا لاعتبار المعتبر من الإطلاق و التقييد و التنجيز و التعليق- فساد قياس الإيجاد الإنشائي بالإيجاد التكويني، كإيجاد الأكل و الشّرب و اللّبس و الضرب و غيرها من الأفعال الخارجية، فإنّ إيجادها لا يقبل التعليق، فإنّ الأكل يتحقق و لو لم يكن المأكول ما قصده الآكل، كما إذا أكل شيئا معلّقا على كونه حنطة ثم تبيّن أنّه شعير، فإنّ الأكل تحقق. فالوجود التكويني غير قابل للتعليق، بخلاف الوجود الاعتباري، فإنّه قابل لذلك في إنشاء الأمور الاعتبارية كالملكية و الزوجية.
و الحاصل: أنّ حقيقة الإنشاء إيجاد المعنى في وعاء الاعتبار، لا إيجاد المعنى باللفظ الذي هو مقوّم الاستعمال. و من المعلوم أنّ الإيجاد الاعتباري تابع لكيفية اعتبار معتبرة، فإن علّقه على شيء توقّف وجوده في وعاء الاعتبار على وجود ذلك الشيء، فلا وجه لاستحالة تعليق الإنشاء، كما عن المحقق النائيني (قدّس سرّه)، و لا منافاته للجزم حال الإنشاء كما عن العلّامة في التذكرة، لعدم اعتبار الجزم في الإنشاء. بل هو أمر ممكن و واقع في العرفيات و الشرعيات كالوصية و التدبير و النذر، فإنشاء العقود معلّقا مما لا مانع عنه، لصدق العقد عرفا مع التعليق و بدونه على نسق واحد، فاعتبار التنجيز محتاج إلى الدليل.
بل يمكن أن يقال: إنّ الجزم في الإنشاء المعلّق كالإخبار المعلّق موجود، فإنّ الأخبار بفساد العالم على فرض تعدّد الآلهة جزمي لا ترديد فيه. و كذا الإنشاء، فإنّ الإنشاء في قوله: «بعتك إن جاء زيد» جزمي، إذ لا ترديد له في البيع على تقدير مجيء زيد.