هدى الطالب في شرح المكاسب - المروج الجزائري، السيد محمد جعفر - الصفحة ٤٦٩ - المبحث الأوّل تقديم الإيجاب على القبول
..........
فكالمصالحة المعوّضة، كما إذا صالح زيد عمروا على الدار بألف دينار، فكلّ منهما مصالح و متصالح، من جهة إنشائهما التسالم على مبادلة الدار بالألف. و حكمه لزوم تأخير القبول عن الإيجاب، و ذلك لأجل تركّب العقد من إيجاب و قبول. و لمّا كان هذا الصلح قائما بهما على السّوية- و ليس كالبيع و الإجارة- توقف تمييز القابل عن الموجب بأن ينشأ القبول بلفظ «قبلت» دون «صالحت» و إلّا يلزم تركّب العقد من إيجابين، و هو ممنوع، فلا مناص من إنشاء القبول بلفظ «قبلت» و يلزم تأخيره حينئذ عن الإيجاب، لما تقدم في البيع.
و أمّا القسم الثالث- و هو عدم تكفل القبول للالتزام بنقل شيء إلى الموجب، و إنّما هو مجرّد الرضا بالإيجاب- فإن أنشئ بما لا يتضمن المطاوعة جاز تقديمه على الإيجاب، كإنشاء قبول الهبة و القرض بلفظ «ملكت» فإنّه يدلّ على الرضا بتمليك الواهب و المقرض، و لا يفهم منه الانفعال بالإيجاب و المطاوعة له، فلا مانع من تقديمه.
و كذا الحال في الصلح على إسقاط حقّ أو إسقاط دين، كما إذا كان زيد مديونا لعمرو بدينار فصالحه عمرو على إبراء ذمته، فلا مانع من سبق قبول زيد على إيجاب عمرو، لأنّ قبوله محض الرضا بالإيجاب.
و إن أنشئ بما يدلّ على المطاوعة لزم تأخيره عن الإيجاب، كما في إنشاء قبول الرّهن و الهبة و القرض بلفظ «ارتهنت، اتهبت، اقترضت» فإنّ قبول هذه العقود و إن لم يدل على الالتزام بنقل شيء إلى الموجب، بل هو مجرّد الرّضا بالإيجاب، لكن يمتنع تقديمه من جهة ظهور الهيئة في الانفعال بالإيجاب و المطاوعة له، فلا بد من سبق فعل من الموجب حتى يصح الانفعال به.
هذا توضيح القسم الثالث من ألفاظ القبول. و قد ظهر به القسم الرابع أيضا، لأنّ القبول في عقد واحد كالهبة يختلف حكمه من حيث جواز تقديمه إن لم يدل على