النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٧٩ - المسألة ٩٤
و من الأمثلة قوله تعالى لأهل الجنة: «فَكُلُوا مِنْهََا-حَيْثُ شِئْتُمْ -رَغَداً» : و قول الشاعر:
و قد يهلك الإنسان من باب أمنه # و ينجو بإذن اللّه من حيث يحذر [١]
و قول بعض الأدباء: «هنا تطيب الحياة، حيث الشمل ملتئم، و فيض الود غامر، و حيث الجمع مؤتلف، و إخوان الصفاء كثير» .
و هى فى كل أحوالها مبنية على الضم؛ لما تقرّر من أن الاسم الذى يضاف للجملة وجوبا يبنى وجوبا كذلك [٢] ، و لا يجوز قطعها عن الإضافة لفظا.
و يبيح فريق من النحاة إضافتها للمفرد مع بقائها مبنية على الضم؛ نحو: أنا مقيم حيث الهدوء، و حيث الاطمئنان. و حجته أن الأمثلة المسموعة الدالة على إضافتها للمفرد أمثلة فصيحة، و أنها على قلتها كافية للقياس عليها لأنها قلة نسبية، و ليست قلة ذاتية، [٣] و لا داعى عنده لتأويل تلك الأمثلة [٤] ، أو الحكم
[١] و مثل هذا قول الآخر يصف حبه و وفاءه:
تغلغل حيث لم يبلغ شراب # و لا حزن، و لم يبلغ سرور
[٢] لهذا الحكم بيان خاص بالظرف: «إذ» يجىء فى ص ٨٣.
[٣] أشرنا (فى رقم ١ من الهامش ص ٦٥) و فى ص ٥٨٥ جـ ٤ م ١٧٢ إلى: «القلة النسبية و القلة الذاتية» ، - (و كذا فى مواطن متفرقة من أجزاء الكتاب و منها ص ٤٢٢ م ٩٠ جـ ٢) . -و قلنا عن الأولى: إنها قلة من الأساليب الصحيحة تواجه كثرة من تلك الأساليب تخالفها فى حكم. و كلا للنوعين فى ذاته كثير العدد، يصح محاكاته و القياس عليه، و لكن أحدهما أكثر عددا من الآخر؛ فالآخر قليل بالنسبة للأكثر. فالموازنة العددية بينهما تدل على زيادة أحدهما و نقص الآخر عنه، و لكنه نقص لا يمنع من القياس عليه أو محاكاته؛ و هذا هو المراد من قولهم: « (إن التخريج على القليل إذا كان قياسيا فصيحا، سائغ) » ا هـ-راجع حاشية الصبان، جـ ٢ باب: «الحال» عند الكلام على تقدم الحال على صاحبها المجرور...
أما «القلة الذاتية» فقلة عددية أيضا: و لكنها بارزة واضحة فى ذاتها، لا تحتاج إلى موازنة بينها و بين غيرها؛ لضآلتها العددية؛ بحيث يمكن الحكم سريعا بعدم صلاحيتها للقياس عليها أو لمحاكاتها.
-انظر ص ٣٢٥-و الحق أن تحديد هذه القلة الذاتية موضع خلاف شديد حتى اليوم. -و سيجىء فى جـ ٤ ص ٥٨٥ باب جمع التكسير، م ١٧٢ بيان مفيد عن معنى المطرد، و الكثير، و الأكثر، و القياس، و القليل، و النادر، و الشاذ، و ما يقاس عليه و ما لا يقاس.
[٤] و من الأمثلة المسموعة. قول الشاعر:
أما ترى حيث سهيل طالعا # نجم يضىء كالشهاب لامعا
و قول الآخر:
و يطعنهم تحت الحبا بعد ضربهم # ببيض المواضى حيث لّى العمائم