النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ١٧ - زيادة و تفصيل
و إنما انحصر الاختيار فى هذه الثلاثة لأنها-دون غيرها-أقدر على تحقيق الغاية المعنوية؛ فالحرف: «من» يدل على أن المضاف بعض المضاف إليه... ، و الحرف: «فى» يدل على أن المضاف إليه يحوى المضاف كما يحوى الظرف المظروف... و الحرف: «اللام» يدل على ملكية المضاف إليه للمضاف، أو اختصاصه به بنوع من الاختصاص... فمثال: «من» قول أعرابية لابنها الخارج إلى القتال، و قد رأته متزينا:
حرام على من يروم انتصارا # ثياب الحرير، و حلى الذهب
أى: ثياب من الحرير، و حلى من الذهب. و مثال «فى» قول الشاعر:
و لقد ظفرت بما أردت من الغنى # بكفاح صبح، و اجتهاد مساء
أى: بكفاح فى صبح، و اجتهاد فى مساء. و مثال «اللام» قول الشاعر فى وصف الصحف:
لسان البلاد، و نبض العباد # و كهف الحقوق، و حرب الجنف [١]
أى: للبلاد-للعباد-للحقوق-للجنف.
و من الواجب التنبه لما قلناه من أن الحرف الجارّ-فى الأمثلة السالفة و أشباهها- لا وجود له فى الحقيقة الواقعة، و لا فى التقدير الذى يقوم مقامها، و إنما وجوده مقصور على التخيل، و مجرد النية. و لهذا لم يعمل الجر فى المضاف إليه، -فى الرأى المشهور-و لم يحتاجا معا إلى عامل يتعلقان به؛ إذ التعلق لا يكون إلا للجار و المجرور الحقيقيين الأصليين. و بالرغم من أن هذا الحرف خيالى محض فإن التصريح به جائز فى أكثر الإضافات المحضة [٢] ...
لكن أيصلح كل حرف من تلك الأحرف الثلاثة لكل إضافة محضة؛ بحيث يصح أن يحل هذا الحرف محل ذاك، و العكس، بغير ضابط و لا اشتراط شىء، أم أن الأمر فى الاختيار مقيد بشرط خاص، و خاضع لضابط معين؟.
و بعبارة أخرى: أيباح استعمال كل واحد من الأحرف الثلاثة فى كل إضافة
[١] الميل عن الحق-الظلم.
[٢] سيجىء فى قسم «ا» ص ٢١ بعض الصور التى لا يصح فيها التصريح بحرف الجر