النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ١٢٠ - زيادة و تفصيل
مشيت من لدن الجبل إلى النهر، و قضيت فى المشى من لدن صباحنا إلى
قلمجىء الحرف. «من» قبله و معناه الابتداء أيضا؟أجاب النحاة عن هذا إجابة غير مقنعة؛ فقالوا:
إن دلالة: «لدن» على بداية الغاية ليست مألوفة فى الأسماء؛ فجاء الحرف «من» ليكون بمنزلة الدال على ذلك، و لهذا يكون فى الأعم الأغلب مذكورا (راجع حاشية ياسين على شرح التصريح فى هذا الموضع) .
و السبب الحق هو استعمال العرب القدامى، دون تعليل آخر.
(ب) ما سبق يقال فى الظرف: «عند» ؛ فلو وضعناه مكان «لدن» فى الأمثلة السالفة -و أشباهها-لم يتغير الأمر؛ ففى مثل: «قرأت الكتاب من عند المقدمة إلى الخاتمة» ، نجد الفعل:
«قرأ» لا يتحقق معناه كاملا إلا بنقطة مكانية معينة تبتدئ منها القراءة؛ هى المقدمة، و نقطة أخرى تنته إليها؛ هى الخاتمة، و بين النقطتين المكانيتين مسافة مكانية تصل بينهما هى المسافة الأخرى المحددة المكتوبة، و من اجتماع الثلاثة: (أى من نقطة البداية المكانية، و نقطة النهاية المكانية، و ما بينهما) يتكون ما يسمونه: . «الغاية المكانية» التى يجىء الظرف «عند» ليدل على أن المضاف إليه هو نقطة البداية فيها.
و إذا قلت: «قرأت الكتاب من عند العصر إلى المغرب» نشأت الغاية الزمانية التى تتكون من اجتماع تلك الثلاثة، و يدخل الظرف. «عند» على أول جزء منها فيكون وجوده دليلا على أن ما بعده (و هو المضاف إليه) نقطة البداية الزمانية...
و يفهم مما سبق أن «لدن» ، و «عند» اسمان يدلان على ما بعدهما... فسمى كل منهما:
نقطة البداية نفسها، و ليس «الابتداء» الذى هو أمر معنوى. و لهذا كانا اسمين-عند النحاة- دون «من» و «منذ» الحرفين اللذين معناهما الابتداء المعنوى. فإضافة «لدن» ، و عند» إنما هى من إضافة الاسم إلى مسماه.
(هذا، و قد أطلنا الكلام-فى جـ ١ ص ٥٦ م ٦-عن سبب تفرقتهم بين كلمة: «ابتداء» و اعتبارها اسما، و كلمة: «من» الجارة المفيدة للابتداء و اعتبارها حرفا) .
كذلك يتضح الفرق بين «الغاية» و مبدأ الغاية، الذى يدل عليه «لدن» أو «عند» ؛ فالغاية تشمل الأجزاء الثلاثة، أما مبدأ الغاية فهو الجزء الأول منها دون الجزأين الآخرين. و كذلك يتضح المراد من قولهم: (إن: معنى «لدن» و «عند» هو الدلالة على مبدأ الغايات الزمانية أو المكانية) .
و يصح وضع أحدهما مكان الآخر؛ فيقال: جئت من عند الصديق، أو: من لدن الصديق.
و فى القرآن الكريم: «آتَيْنََاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنََا، وَ عَلَّمْنََاهُ مِنْ لَدُنََّا عِلْماً» فلو وضع أحد الظرفين مكان الآخر لجاز، و لم يمنع منه مانع إلا كره التكرار اللفظى بغير داع بلاغى.
(حـ) إذا دخل «لدن» ، أو: «عند» على بداية الغاية فليس من اللازم أن يذكر معها اللفظ الدال على النهاية، إذ يكفى أن يشتمل الكلام على البداية وحدها ما دام المقام يكتفى به.
(د) ليس الأمر فى كل ما سبق مقصورا على الأفعال التى تعمل فى الظرف و تحتاج فى تحقيق معناها إلى غاية زمانية أو مكانية، و إنما الأمر يشمل كل عامل آخر لا يتحقق معناه كاملا إلا بملاحظة الغاية، يتساوى فى هذا أن يكون العامل فعلا، أو شبه فعل، أو اسم فاعل، أو اسم مفعول، أو غير ذلك مما يعمل...
غ